الثلاثاء، 7 فبراير 2017

القتال والإرهاب



القتال والإرهاب
للمؤلف صباح مهدي الجبوري

قوة إلزام قضائي
لابد لكل نظام تشريعي من قوة إلزام قضائي لمنع الضرر الناتج عن الخروج والعصيان على مقتضيات التسليم لأوامر التشريع ، إن قوة الإلزام القضائي تستمد مبرراتها من العرف الاجتماعي في إقراره لقوتي التعوذ والجوار اللتان نظمتا فيما بعد وفق مفهومي الولاء والبراء ، تلبية للحاجة إلى النصرة أو الخذلان وكذلك من الحق في الحياة لكل كيان اجتماعي والدفاع عنه وحفظ نظامه ، فهو إذا حق استخدام القوه لحفظ التعايش الاجتماعي بين الأفراد أو الكيانات الاجتماعية.

إن المخالفون لشريعة الله قد سبقوا المؤمنين على ما أجد في صنع قوة الإلزام القضائي لشرائعهم الوضعية ، فكان لبعض الرجال عصابة أو شيعة أو حزب ثم كان لهم جيش أو مملكة ، فهؤلاء الرجال  يقال لهم أمراء الحرب إنها تسميتهم ، وما كانت شرائعهم تقيم نظاما تشريعيا بل هي خليط من الأوامر وهي تعبر عن ردود الفعل بدافع الهوى على ما هو قائم من أحكام الفطرة أو نظام تشريعي أو قانوني.
إن أمراء الحرب هم الوجود الاجتماعي المعبر عن النفس الأمارة بالسوء التي تحكم بشريعة الهوى ذات الوجود الفردي ، ويلعب الاثنان دوراً من الهرج والمرج متناسباً مع ضعف الالتزام بأحكام شريعة الله والفطرة ، وتعاظم دورهما هو علامة من العلامات الصغرى للساعة.

فرض القتال عل المؤمنين
لقد أصاب المؤمنين ما أصابهم على أيدي أمراء الحرب ، فتعلم المؤمنين الحاجة إلى قوة الإلزام لشريعة الله ، إلى أمير للحرب يكون ملكا عليهم ، لحفظ كيانهم الاجتماعي وما يملكون ، انه ولي التنفيذ ألقسري للأمر القضائي ، لمنع الضرر وإقامة العدل ، وذلك عندما يكون هوى النفس لأمراء الحرب تبعا لما جاء به رُسل رب العالمين.   
قال تعالى :{ أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ } 246 /2 سورة البقرة    فاستجاب لهم نبيهم بعد أن وافقوا على أن يصبح القبول بالحرب فرضا تشريعيا من الله عليهم بعد أن كان سنة من الأعراف ، ولهذا قد فرض القتال تشريعيا من الله عليهم وعلى من جاء بعدهم من المؤمنين والمسلمين إلى قيام الساعة وان كانوا قد تولوا إلا قليلا منهم ، ومن بعد ذلك
قال تعالى :{ إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ } 111 /9 سورة التوبة
 قال تعالى:{ لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ } 25/57 سورة الحديد.
إن وجود أمير للحرب ( الملك ) في شريعة ترضي الله والمؤمنين يعتبر توفير للركن الثاني في بناء المدينة للجماعة  التشريعية.
لقد تمنى ويتمنى أعداء المؤمنين أن لا يفرض القتال على المؤمنين فكان لهم في حربهم ضد المؤمنين بابا من أبواب التحريف يتزعمه عملائهم لنزع السلاح والقوة من المدن لتكون ضعيفة هشة السيادة والبناء ، بما تحمل شعاراتهم بوجود التعارض بين الدين واستخدام السلاح.   

القتال لحفظ النفس لا لموتها
إن تأخر المؤمنين في طلب وإقامة قوة الإلزام القضائي إلى ما بعد قيام المخالفين لشريعة الله إلى إقامتها كان سببا لتعلم المؤمنين الحدود العادلة في استخدام هذه القوة ، فتعلموا انه لا إكراه في الدين مثلما تعلموا من قبل إن المخالفين لشريعة الله  يخرجون من ذرية كل رجل عندما ضرب الله لذلك مثلا نوح عليه السلام وذريته ، ذلك إن ذرية نوح كانوا هم الباقون ، وقد خرج كثير من ذريته مخالفا لشريعة الله ، وفي ذلك جوابا لنا وله على ما سأل ربه في كتاب الله العزيز.
قال تعالى:{ وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (26) إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا (27)} 26-27/ 71 سورة نوح
قال تعالى:{ وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ ﴿٧٥﴾ وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ ﴿٧٦﴾ وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ ﴿٧٧﴾} 75-77/37 سورة الصافات
 فاختلاف الناس فيما بينهم لا يعد سببا شرعيا للقضاء على حياتهم ، ولكن يفترض بهم الاتفاق على القصاص العادل وهو الحد الأدنى للإجماع التشريعي الذي يقوم عليه وجود كل مجتمع ، قصاصا يتعين على الفعل ويقع إلزاما على الفاعل أيا من يكون الفاعل ؛ راع كان أم من الرعية ، موال أم معاد ، غني كان أم فقير , محبوبا كان أم مكروه ، وهذا هو الباب الأول في السياسة الشرعية ، باب التعايش السلمي وحسن الجوار ، وهذا هو الأساس السليم الذي يقوم عليه البناء التشريعي والقضائي لكل مجتمع يتألف من جماعات مختلفة في العقيدة والتشريع والأخلاق ، وقد تم العمل بناء على هذا الأساس على المستوى الأسري والقبلي وفي البعض من المجتمعات أو الدول إعلاميا أو فعليا وبدرجة أو أخرى عبر آفاق التأريخ الإنساني.
فلم يُفرض القتال إلا لتجنب الضرر الذي يلحق بالناس على مستوى الأفراد أو الجماعات ، فالقتال هو من طرق التربية ورفع الضرر ليس إلا ، ولذلك كان الصلح مقدم على القتال على إن يكون في حدود إقامة التربية والعدل ، فليس القتال من طرق الانتقام أو الظلم ، ولا يكون القبول بالصلح على حساب الحق والعدل والتربية.
قال تعالى:} وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآَخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ (60) وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (61){  60-61/8 سورة الأنفال
فإعداد العدة للقتال يزرع الرهبة في قلب عدو الله وعدو المؤمنين ، رهبة تمنعه من الجريمة والاعتداء والظلم ، فبالرهبة تصفد المجرمين.
فالرهبة تقع في القلب ، وتؤدي إلى الفرار من المواجهة ، بينما الإجرام يقع على الأرض ، ويؤدي القتل بغير حق ، فلا ينبغي للغريب عن أهل لسان التنزيل أن يستبدل أحدى الكلمتين بالأخرى ليضل الناس ويجعل من ذلك طريقة يحارب بها الله ودين الله.
أما القول إن الإرهاب هو فرض السلطة بالخوف ، فهو قول مبيت في قاموس ، جاء بما لا يقره أهل اللسان العربي لهذه المفردة كما لا يأخذ به كل من له سلطة ، لان هذا القول هو طريقة في الحكم وليس معنى لكلمة.

إن الخلط بين المعنى الاصطلاحي والمعنى المجرد للكلمة تصرف لا يقره علم ، ذلك أن رجال العلم قد خصصوا لكل علم قاموس ، كالطب والهندسة ، فيه المعاني التي يتفقون على دلالتها في حدود اختصاص كل علم فتدعى المصطلحات ، وفي علوم الدين الإسلامي لا تجد فيها هذا المعنى ولم يتطرق علماء الدين على معنى اصطلاحي لكلمة الإرهاب لا قديما ولا حديثا فمن أين دخل هذا المعنى المبيت إلى اللغة والى علوم الدين.
إن هذا المعنى المبيت يراد منه أن يجد الناس قول الله في كتابه يحمل أمرا للمسلمين أن يفرضوا سلطتهم على الناس بالإرهاب ، وذلك عندما يبحث عن معنى هذه الكلمة في القاموس ، لا بل وجدنا من يدعي إن العرب في أصل تكوينهم إرهابيين ، أن هذا المعنى المبيت هو حرب مبيته هم ضد العرب والمسلمين ودين الله وكتاب الله.    

 المقال مقتبس من كتابي : اقرا ... انه علم للساعة ( ص 52-53 ) بعد أن أجريت على نص الكتاب بعض التغييرات بما ينسجم مع الغرض من كتابة هذا المقال.