السبت، 2 أغسطس 2025

من احكام الفطرة : الشجاع والصعلوك

                          الشجاع والصعلوك

   الشجاع والصعلوك مفردتان لايخلو لسان كل شعب من الشعوب من الدلالة عليهما ، إنهما يحملان أحكاما من الفطرة التي فطر الله بها الإنسان. 
الشجاع: في القتال يأبى منازلة الأقل منه في القدرة البدنية أو القتالية أو العدة أو عدد المقاتلين.
الصعلوك: في القتال لا ينقض إلا على الاقل منه في القدرة البدنية أو القتالية أو العدة أو عدد المقاتلين.
فالشجاع لا يقاتل النساء أو الاطفال أو صغار السن أو المعوق بدنيا أو المريض.
الشجاع لا يقاتل من سقط عنه سلاحة حتى يحمله ثانية. 
الشجاع لا يقاتل عدوه إن فر عدوه من المعركة.
الشجاع لا يقاتل إلا شجاعا مكافئ له.
الشجاع قد ياتي بجيش متفوق على عدوه في غدد المقاتلين أمام جيش العدو الاقل منه عددا لسبب وحيد لا غيره؛ لزرع الرهبة في صفوف جيش العدو عسى أن يعدل جيش العدو عن قتال من لا قبل له بهم ، فإن أبى العدو أن يفر منكسرا ، بعد ان وقف الشجاع بعض الوقت بجيشه أمام جيش العدو ، فالشجاع عند ذلك يعطي فرصة ثانية لجيش عدوه تجنبا لإراقة الدماء بأن يقدم من طرفه عدد من المقاتلين الشجعان ينادون على شجعان جيش عدوهم بمعنى يقاتلون من جيش العدو شوكتة فقط ، عسى أن تنكسر شوكة العدو فيفر بقية مقاتلي جيش العدو من ساحة المعركة منكسرا ، فالحرب كر وفر ، فتذعن بذلك قيادة جيش العدو الى الاستسلام والرضوخ الى ما يريد منهم المنتصر في الحرب ، وإلا فلا مفر من الخيار الثالث وهو الحرب على أية حال.
فالشجاع لا يحب إراقة الدماء ، يؤمن أن حل النزاع يجب أن يكون عبر التفاوض وكل الاساليب السلمية ولا يركن الى القتال والحرب إلا بعد ان تستنفذ كل الطرق السلمية.
من كل ذلك تجد ان الصعاليك لا يعملون بهذه الطرق التي يتبعها الشجعان ، لماذا؟ لأن الشجاع يحب الخير الى الجميع أما الصعلوك فيصارع الناس على انتزاع خيراتهم لتكون له ، إنه يصارع اعوانه على ذلك ، لا يحمل علما ولا ادبا ولا خلق ، ليكون بعد ذلك يوما بعد يوم مجرما قاطع طريق ثم ليكون من بعد ذلك من تجار الحروب يغير على القوافل والعشائر والدول   

الخميس، 21 نوفمبر 2024

التطور لا يجري الا بموجب شريعة الله

 

نقلا عن كتاب اقرا..انه لعلم للساعة  ط3 ص 115

التطور لا يجري إلا بموجب شريعة الله

 

إن الكون بحركته وتجدد الحياة فيه إنما يتحرك بموجب شريعة وقوانين ثابتة تامة لا تتغير أبدا ما دامت السماوات والأرض

 ، وهو نظام تشريعي ينظم الحركة والتغيرات بموجب القونين لكل شيء في الكون ، ولم يشرع العمل بهذا النظام للموجودات

 التي تتحرك بموجبه إلا بعد أن كتب الله لكل شيء صفاته وخصائصه ، إن هذا النظام هو شريعة الخالق لمخلوقاته ، إن

 قوانين هذا النظام هي الهدى في الحركة والعمل لكل مخلوق ،  فلم يشرع هذا النظام غير الله خالق السماوات والأرض.

لقد كانت دعوة تحريف تلك التي قالت بما يسمى عندهم ( التطور) ، ذلك التطور الذي يدعي أصحابه إن قوانين الكون

 وأحكامه تتغير وكذلك شريعة الله ودينه يتغيران شيئا فشيئا عبر مراحل الزمن ، إن تلك الدعوة وبهذا المعنى الذي

 تحمله للتطور إنما هي دعوة واهية لا تقرها العلوم المادية ولا يقرها دين الله.

 التطور موجود ولكن ليس على الطريقة التي يصفون بها التطور ، ذلك لأن الأطوار والتطور لا يجريان إلا بموجب قوانين

 ونظام تشريعي ، فالحركة الداخلية لكل طور للانتقال إلى الطور اللاحق لا تجري إلا بقانون ثابت ، فالأطوار تتغير وتتبدل

 وتبقى القوانين المنظمة لها ثابتة ، وبهذا الفهم الذي تقره العلوم المادية ودين الله يتضح لنا إن دعوتهم تلك لا يُصدّق بها

 عاقل ولا تعيش إلا وسط الجهل والظلام ، ذلك لأن لكل حركة ثوابت وما دين الله وشريعته والقوانين التي أودعها الله في كل

 خلقه ومخلوقاته إلا ثوابت الحركة الكونية ، فلن تجد لهذه الثوابت تبديلا ولن تجد لها تحويلا.

إن نسبية الحركة تدعوا علميا إلى اكتشاف ثوابت الكون أو ثوابت العالم المتغير على ما يصفون ، فدين الله وشريعته

 والقوانين التي أودعها الله في كل خلقه ومخلوقاته وكذلك خِلقة ( بكسر الخاء ) كل شيء وهي صفاته وخصائصه (

 كالحديد والنحاس ) كل ذلك هو من ثوابت العالم الذي يقال له المتغير ، إنها ثوابت الحركة الكونية , إنها لم ولن تتغير أبدا ،

 فمثلا على ذلك : لم تتغير صفات وخصائص الفضة أو الحديد أو النحاس منذ بدء الخليقة ، وهكذا هي كل عناصر

 الجدول الدوري للمادة في الكون ، والثوابت تفرض نفسها على كل لسان أو مجموعة مرجعية.

قال تعالى:{...فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا} 43/35 سورة فاطر

قال تعالى:{ قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى ﴿٤٩ قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى ﴿٥٠}  49ـ50/20

 سورة طه

والمعنى ؛ لقد أعطى الله لكل شيء بُنيه وصفات ثم قوانين يتحرك بموجبها ، هذه القوانين هي الهدى لكل شيء وهي

 صراطه المستقيم.

إن اكتشاف قانون من قوانين الكون لا يعني أبدا انه قد خُلق قانون جديد , لان الله هو الذي سن قوانين الكون كلها وقد

 أودع هذه القوانين في الكون منذ أن خلق السماوات والأرض ، فالمكتشف للقانون ليس خالقا له ، ولقد مضت الملايين من

 السنين والكواكب في السماء تتحرك باتزان في المواقع المتوالية للحركة بموجب قوانين ثابتة لم تتبدل ولم تتحول ولم تكتشف

 هذه القوانين إلا قبل سنوات قليلة.

ولكن عملية اكتشاف الإنسان لمنتجات وخطوط إنتاجية لم تكن موجودة من قبل يمكن أن ندعوها تطورا ، لأنه في هذه

 العملية تجد الابتكار والخلق والإبداع وتجد كذلك فوائد للإنسان عندما يتعامل مع هذه المبتكرات وفي صيانتها ، ولا يتم

 ذلك إلا بفضل التطبيقات الاستثمارية ( التكنولوجيا) للقوانين الكونية أو المادية بعد أن تم اكتشاف هذه القوانين ، فعندما

 نتعرف على ما قدر الله للأشياء من صفات وقوانين يمكننا توضيفها مثلا في صنع محرك يعمل بنوع من الطاقة ، وكذلك

 يمكننامن الأنواع المختلفة للمواد الانشائية أو الخشب أو الحديد أن نصنع عدد غير محدود من الأبنية المختلفة  في التصميم

 لسد حاجتنا من بنائها ، إنها ثمار شجرة التصنيع ، كل ثمرة تاتي تصنيعا لمواد أولية صنعها الله لشجرة الصناعة ، لقد

 قدرالله لكل من هذه المواد قدرا من الصفات والقوانين ، لنستثمرها في الصناعة  فكانت ثمار الصناعة كيانات

 وتشكيلات لأداء وظائف خدمية معينة.

نعم يصح أن تدعوا هذا تطورا , فهو تطورا يأتي بالجديد من المنتجات والعمليات الإنتاجية والخطوط الإنتاجية ، وبهذا

 المعنى يكون  التطورتسمية لا غبار عليها.

 

الخميس، 26 سبتمبر 2024

السياسة.. أول الصراع ، بذرته في السماء وشجرته على الأرض

 السياسة تشريع أو نظام قبل أن تكون فن 

السياسة تشريع أو نظام يقوم عليها فن رعـاية مصالح الناس

رعاية مصالح الناس أما أن تكون بنظام يضعه الأنسان فتدعى السياسة الوضعية و إما ان تكون بنظام شرعه الله فتدعى السياسة الإسلامية ( الإسلام دين أنبياء الله جميعا )

كان النبي محمد صلى الله عليه وسلم ينسب السياسة إلى عمل الأنبياء في قوله ( كانت بني إسرائيل تسوسهم الأنبياء )

إن الخلفاء ينبغي أن يكون عملهم بما عمل به الأنبياء في السياسة في رعاية مصالح الناس 

العلماء المسلمين الاقدمين جزاهم الله خيرا تركوا لنا مؤلفات قيمة في السياسة الإسلامية تحت عنوان السياسة الشرعية 

في السياسة كعلم أو فن يتجلى الصراع بين الإسلام وما سواه من التشريعات ، فإما أن يكون التشريع بموجب قوله تعالى:( إن الحكم إلا لله ) وإما أن يكون الحكم بدين الملك أو وقد يتخذ تسمية الحكم للشعب في ظاهر الأمر     

الجمعة، 28 يونيو 2024

اقرأ .. إنه لعلم للساعة ( الطبعة الثانية 2017 )











  اقـرأ ..
إنه لعلم للساعة

منهج جديد وطرق مبتكرة لعرض ومعالجة مسائل
العقيدة ونشوء الأديان والفرق الدينية

              
         

                                   مؤلف الكتاب صباح مهدي الجبوري



----------------------------------------------------------------------------------






] إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (30) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (31) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (32)[  سورة فصلت 41
أنهم أحبتي في الله ، لهم ولكل من يحبكم في الله أسجل هذا الاهداء

إهداء

السلام عليكم
بين أيديكم بفضل الله وجوده وكرمه ، الطبعة الثانية ، هذا الكتاب
العنوان : اقرأ .. إنه لعلم للساعة
عدد النسخ :  
 لمؤلفه : صباح مهدي صالح الجبوري
طبع في مكتب رضا التميمي / بغداد / باب المعظم
رقم الإيداع في دار الكتب والوثائق العراقية (3262 ) لسنة  2017
3

حقوق الطبع والنشر محفوظة للمؤلف
وكان عنوان هذا الكتاب في طبعتة الأولى : اقرأ .. إنه علم للساعة
مع شكري وتقديري لكل من زادني علما أو أدبا وكان لي من الناصحين
 بين أيديكم لوجه الله ثمرة أسأل الله أن تطيب بها النفوس , وأن تكون صدقة جارية ، وأرجو أن يسع قلبكم الكريم الهفوات والأخطاء والحمد لله رب العالمين
البريد الالكتروني للمؤلف :   aljuborysabah@gmail.com
رقم الهاتف :  9647506509601+  // 9647708843661+
نشر الكتاب في المدونة ( العقيدة مجمع العلوم ) على العنوان ( الرابط ) :
          aljuborysabah.blogspot.com   
ليتمكن الجميع من قراءته مجانا عبر شبكة الانترنيت

                           صباح مهدي الجبوري
                                      2017 

4


              المحتويات     

إهداء ............................................  3
المحتويات ......................................  5
مقدمة الطبعة الثانية .........................  8
مقدمة الطبعة الأولى ..........................  9
تمهيـد ........................................... 11
نبدأ بما بدأنا الله به  ......................... 17
قراءات في أرض المختبر.....................30
           (1)   التجارب والمختبرات..........30
           (2)   القدرات الفردية.................34
           (3) هدى الله حبلا عاصما........... 47
الأفق الأول من التأريخ بآية ................ 50
الأعراف هي أحكام الفطرة ................. 52
      إنما الاختلاف مع الفطرة ............... 53
      الكتاب هاديا يسبق التجربة  ........... 53
      التصدي للخلافات.........................56
الهدى.............................................62
قوة إلزام قضائي   ............................ 67
      فرض القتال على المؤمنين ............. 68
      القتال لحفظ النفس لا لموتها ...........70
      أصبح المؤمنون جماعة تشريعية .......72
5

وحدة النظام الاجتماعي......................76
الولاء هو المانح للسيادة......................81
      المساومة على الولاء  ....................85
لم تتبدل قوانين الأرض والسماء
يوما ليتبدل دين الله كل يوم  ...............94
التطور لا يجري إلا بموجب شريعة الله.....98
وحدة المشرع ونظامه التشريعي..........100
وما لله إلا دين واحد يرتضيه...............104
الأيمان والأمانة متلازمان...................114
الدين دعوة إلى الله .........................118
المؤمنون واختلاف الأمم  ..................123
ابنك الذي ليس من أهلك ...................126
الفطرة والربوبية ............................127
كل الفرق بديلا للناجية .....................132
       الناجية ليست فرقة  ..................135
علم لا ينيب عنك علمائه ....................143
 دعوني أقرا بقلبي لا بقلوبكم ..............145
       آل الرجل وبنيه ........................149
       البيان ....................................151
       التفسير...................................151
       التأويل ..................................152
       تأويل الرؤيا ............................153
       تأويل الأحاديث ........................153
6

       الاجتهاد .................................154
الإرادة المشروعة ............................160
الإرادة غير المشروعة........................165
البقرة هي البينة .............................166
معرفة الله  ...................................168
خزائن الأرض .................................188
تعمير الأرض ..................................193
النظام الاقتصادي المنتظر .................195
خلق آدم عليه السلام  .......................199

7

 مقدمة الطبعة الثانية

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على عبده ورسوله خاتم النبيين والمرسلين ، المصطفى من عباده ، وخيرة الله من خلقه ، اسوة في المؤمنين  لما سواه ، في سيرته البيان لمنهج العمل برضوان الله تعالى ، خُلقه القرآن ، إنه خُلق الفطرة ، وعليها خلق الإنسان ، فتبارك الله أحسن الخالقين.
أما بعد ، لقد وجدت بعد حين من التأمل فيما كتبت في الطبعة الأولى من هذا الكتاب ، أن أقف هنا أو هناك لتوضيح كلمة أو عبارة أو اختيار الأكثر انضباطا من هذه أو تلك ، واتخاذ الترتيب والتبويب الأفضل ، وإن كان هذا هو نفس المبدأ الذي تبنيته في الطبعة السابقة ، فكانت لي بين أيديكم الطبعة الثانية ، وأسال الله لي ولإخوتي المؤمنين والمسلمين التوفيق لما يحب ويرضى ، إنه نعم المولى ونعم النصير.
                      صباح مهدي صالح الجبوري
                                      2017
8


مقدمة الطبعة الأولى

إن الحمد لله ، نحمده ونستعين به ، ونتوب إليه ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا  وسيئات أعمالنا ، من يهد الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له وان محمدا عبده ورسوله.

أما بعد ، فهذه قراءة بفضل الله مختصرة ميسرة لوحدة المنهج في الدين والدنيا ، إنها مساهمة متواضعة أضيفها الى ما كتب الفضلاء في هذا الاتجاه من العلماء والمختصين ، لعلها تساعدنا على أن نضع كثيرا مما نقرا في موقعه المناسب لتخدمنا في معرفة الاتجاه الأكثر رشدا عندما نسعى في الدين والدنيا على هدى دليل من العلم ، إنها محاولة  لاستقراء منهج الفطرة وأدلتها في عرض ومعالجة مسائل العقيدة ونشوء الأديان والفرق الدينية ، انه منهج جديد ، سوف ابتعد فيه عن المناهج الدفاعية في تناول مسائل العقيدة والتي كانت لها مبرراتها الآنية في الدفاع عن أسوار العقيدة والتي انبرى لها خيرة علمائنا ، سأتخذ هنا المنهج الذي يبدأ ببناء العقيدة في داخل الفرد أو المجتمع ، عند توفر الإقبال لاستقبال العقيدة القائمة على الدليل العلمي والدليل الصحيح من الوحي المنزل على رسل

9

الله وأنبياءه عليهم السلام ، لأعداد الفرد والمجتمع للتحرر من الطواغيت ولإقامة العدل والأمن والأمان والاستقرار في العالم ، ليكون الجميع أداة فعالة في المواجهة وعدم الاقتصار على النخبة الخيرة من العلماء ، وأن تكون ساحة المنازلة  تبدأ بالنفس الأمارة بالسوء ، فيبدأ كل منا بنفسه ، ثم يبدأ المجتمع ببنائه الداخلي ، واجد أن منهج العمل والبناء من الداخل هو أمضى وأوسع منهج في الدعوة إلى الله ، لأنه يساعد على أعادة تشكيل العلاقة والحركة بين المخلوقات بموجب فطرتها ، فتزداد بذلك حدة البصر والبصيرة فينحسر الظلام والتضليل وظلم العباد ، ومما لا شك فيه إن لكل منهج مبرراته وخصوصياته.

                                                                                        صباح مهدي صالح الجبوري                                          2015    
10

تمهيد

إن المحافظة على النفس تدعونا في المقام الأول إلى طلب العلم ، فوجدنا إن العلم مملكة لا يتربع على عرشها إلا عقيدة واحدة ، مملكة تدعو إلى التوحيد ، والتوحيد يدعو إلى الإسلام ، والإسلام يدعو إلى الإيمان ؛ الأيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله وباليوم الآخر وبالقدر خيره وشره.
وهذا هو سبيل الدعوة ، إلى الأخذ بالصراط المستقيم الذي يسير عليه أولي الألباب ، وهم أصحاب العقل والقلب والحزم واللين والأخذ بالعُرى ، إنه سبيل الأخذ بالهدى وحب الجماعة والعدل والأمان وطهارة القلب والجوارح ، ليعيش الإنسان أول الجنتين على الأرض ، على ما فيها من الابتلاء ، بما يسعى فيها إلى الآخرة فيكسب بذلك الجنتين.
قال تعالى: ( وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ ) 46/55 سورة الرحمن
إن الأخذ بالصراط المستقيم لنا فيه حفظ النفس والحرث والنسل ، وحفظ النفس يزيدنا علم على علم ، وخُلقاً على خُلق ، وسعادة على سعادة كلما اقتربنا إلى خالقنا بتقوى الله ومخافته ، كما إن حفظ النفس يدعونا إلى الرجوع إلى الله ، والرجوع إلى الله هو دليل إلى كل خير وعصمة عن كل سوء.
إن مملكة العلم لها أفراد أو دول لا تخضع إلى سلطتها ، وفي الناس من يبحث عن هذه السلطة ، إما لمحاربتها وإما للدفاع عنها.  

إن الدعوة المباركة التي انطلقت من باب الإعجاز العلمي وتم فيها دعوة العلماء المختصين في الدول غير المسلمة كل في حدود اختصاصه والتي من خلالها اسلم عدد غير قليل من العلماء بعد أن تعرفوا على الإعجاز العلمي في كتاب الله
11

، كانت مصدر قلق لرجال المال والحكم والسيادة في السياسة والاقتصاد خوفا على عروشهم ومصالحهم ، إنها معاناة كل مجتمع تبدأ فيه الدعوة إلى  الله إلى دين الله ، إنها نفس معاناة شيوخ قبيلة قريش عند بداية الدعوة الإسلامية في مكة المكرمة ، فيعدون العدة لمحاربته ، ويبدءون أولا بالبحث عن مثالب لتشويه الإسلام وسمعة المسلمين ، وتكون المنازلة إعلاميا وفكريا من قبل الطرفين في ساحة الفقراء ، فقراء المسلمين من جهة وفقراء المجتمع غير المسلم من جهة أخرى ، ولا غالب إلا الله ، لان الصدق هو سلاح الدعوة إلى الله وهو الغالب على سلاح الفساد والضلال في الأرض ولو بعد حين.  

ليس الله بحاجة إلى عرش ملك من ملوك الأرض ، وهو الذي يؤتي الملك من يشاء ، ومن كان خيرا للناس فسيبقى على خيره أو ملكه ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام ) ، إن الله لم يأمر بإقامة دولة أو مملكة أو إمبراطورية يُريدها ، ولم يُنزل أسماء قيادات يختارها للعالمين ، لقد أنزل الله رسالة فختم الرسل بختم الرسالة ، أن الله لا يدعو الناس إلا إلى وحدة الكلمة والدين والخلق ، إلى كلمة سواء بين الأغنياء والفقراء ، بين الراعي والرعية في حدود كل أسرة أو جماعة أو مجتمع ، بين الناس إذا اختلفوا ، إنه نظام تشريعي لحياة كل مجموعة من الناس تريد أن تأخذ بدين الله وتتبناه طوعا لا كرها ، فلا يخشى من هذا الدين إلا من يحمل ظلما لنفسه أو للناس ، إن هذا الدين هو مُرشد ومُنظم الى خير ما في الدارين.
إن الله تبارك وتعالى بما أنزل من الكتاب أعد الفرد والمجتمع إعدادا تربويا وعقائديا من الداخل أولا وقبل كل شيء وهذا هو المنهج الذي يفترض أن يأخذ مرتبة الصدارة في التربية والدعوة على ما أجد.
12

أيها القارئ الكريم بما تتفق معي إليه في بداية هذه الرحلة سأتخذ معك إليه طريقا أسألك فيه صبرا ، فلا تزد على توثيق رحلتنا أمرا ، تلك سنة لكل من يريد توثيق علما ( قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا * 70/18 سورة الكهف ) ، إنها تجربة لا تكلفك إلا قليلا ، وعهدا لك علي أن لا أجعلك فيها تعصي لله أمرا ، ولذلك ستجدني أذكر ما كان دليلا لي ولك من قول الله ورسله وأحكام لسان التنزيل فحسب ، لتكن وإياي على بينة من الأمر ، وما سوى ذلك فأنا مسئول عنه ، وليس لك علي استعراض الأفكار والأقوال والنظريات واجتهاد العلماء الأفاضل في  مفترق كل أمر ، خشية إن نفترق ، فبعد قول الله ورسله لا أقول لك قال عبدا لله أمرا فنتبعه لكي لا نفارق ما اتفقنا عليه عهدا.          
فمن هنا بمشيئة الله أبدأ وأقول :              قال تعالى : { اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ}   1/96 سورة العلق
كان هذا أول أمر من الخالق ليعمل به المخلوق ، ويبدأ بالفرد ، لأنه عملية فردية ، وأُنزل أولا ليعمل به من لا يعص لله أمرا واختاره الله أن يكون نبيا وليكون أسوة لما سواه ، فابدأ بما بدأ الله به.                           
قال تعالى :{ عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ }  5/96 سورةالعلق                                                             
إنه العلم بالمعنى الواسع للكلمة بلا ريب وليس علوم الدين حصرا ، والإنسان هو كل ذرية آدم عليه السلام المؤمن والكافر منهم على حد سواء ، فإذا طلبت العلم فلا غنى لك عن المقدمات فيما عَلّم الله الناس من كل علم ، إنها البداية.
إنما العلم تعليم ، وما التعليم إلا نظام للقراءة ، فاستقم ( لهذا النظام ) لتقرأ ، لقد أسلم من قرأ ، للنظام أولا لا لما انتظم ، يُسلم لهذا النظام من يتبعه ؛ كل من الكاتب والقارئ معا ، والنظام هنا هو سنة الله في خلقه ، وإن كل شيء هو كتاب علم ، والأسماء هي أول مواد التعليم ، في نظام الخطاب باللسان ، وكان أول
13

لسان هو لسان أهل الجنة ، وقد بدأ هذا الأمر بأقل العلم ، كما بدأ هذا الأمر فينا بأبينا وسيدنا آدم عليه السلام ، ومنتهى هذا الأمر عند أوسع ما أوتي الناس من العلم عند كل ساعة ندركها.
قال تعالى :{ .. وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ ... }  15/42 سورة الشورى
أن كل شيء في السموات والأرض هو كتاب سيطوى ، ومعد لمن يريد أن يقرأ
قال تعالى:} يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ.. {104/21 سورة الانبياء
حقا لم نشهد أن كُتبا ، مما في السموات والأرض ، أرادت فغيرت نظامها أو محتواها بنفسها فاستغنت ولكاتبها لن تعود ، بل كل إليه يرجعون.
قال تعالى:{ أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ }  83/3 سورة آل عمران  
إن القراءة والاستقامة فيما بينهما تناسب ، وصعودهما عزم وخشية ونزولهما تفريط وجرأة.
قال تعالى:{ ... إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ }   28/35  سورة فاطر.
قالوا إن علمائنا الأقدمين كانوا موسوعيين ، وتلك صفة على ما أجد لابد منها للمجددين من العلماء ، وهم أوسع علماء الأمة علما وخبرة.
فهل الموسوعي له دراية بكل العلوم التي علمها الله للناس إلى تلك الساعة التي يعيش فيها ؟  وقولنا إلى تلك الساعة التي يعيش فيها هو أوسع من قولنا إلى القرن الذي يعيش فيه  تفصيلا.
قال تعالى: {  وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ ... }  61/43 سورة الزخرف  
14
فكتاب الله هو علم للساعة ، آية أنزلها الله وهم في جدال لا يسمعون ( يجادلون فيمن يعبدهم الناس ) وهكذا كان الذين للظن فلسفة يقيمون ، وقد قال تعالى إنه لعلم للساعة ولم يقل هنا إنه أنباء للساعة ، وإن أشار الله في كتابه إلى أنباء الساعة ، إنه علم تتسلح به لكل ساعة ، ولكي تحيى الساعة التي تعيش فيها من الدهر ، عبدا لله رب العالمين لا عبدا لعبد من الظالمين ولا لسيد من المجرمين ، ولكي لا تكون ممن تعذبه الساعة بأهوالها وعلاماتها الصغرى والكبرى وفي مقام البكاء والشكوى للناس مما فعل الدهر.
ولأنه علم فان له منهج ، ونجد أنفسنا نبتعد عنه عند سؤال يطرح نفسه ؛ كيف يتسنى لأحدنا أن يكون موسوعيا ونحن نجد سلاسل جبلية من الكتب والمؤلفات التي سطرها العلماء والأدباء والمؤلفين ، ولا يسع عمر معمر أن يقرأ فقط ما كتب فيها ، فكيف به إذا أراد تصحيح ما قد ظهر خطئه وسعى إلى حسم ما يستطيع من الاختلاف أو الخلاف ثم اختزل وهذب ما بين يديه من العلم والمعلومات ، وكلنا يعلم إن هذه منهجية قد اتبعها العلماء أنفسهم ولكنها تحول بيننا وبين السعي إلى نيل الموسوعية كلما تقدم الزمن ، كما إنها قد جزئت العلم والعلماء كل في حدود اختصاصه ، انه البرنامج المسيطر ، إنها خصخصة للعلم والعلماء ، وبذلك نجد إن العالم يقال عنه غير عالم في غير اختصاصه من العلم ، فأمسى العلماء كالحرفيين والفنيين تجمعهم وتقودهم كل عملية استثماريه ، وبناء عليه كانوا موظفين في خدمة برامج استثمارية ، فلكي يتولى أحد الناس القيادة فما عليه إلا أن يكون مستثمرا ، فأمسى الجاهل يقود العالم والغبي يقود الذكي ، وأجد إن أعلى درجات الاستثمار تكون في منافستك للدولة على استثماراتها لتنشأ دولة داخل الدولة إلى أن تتمكن من احتوائها من الداخل لا بل في منافسة دول العالم على القيادة ، قيادة كل العالم ، انه عالم الاستثمار والمستثمرين.
15
أم تقول مثلما يُراد لك أن تقول ؛ إن السياسيين هم الذين يمتلكون القيادة في العالم ؟
فأنت بحاجة إلى أن تكتشف لتكون على يقين إن السياسيين وعلماء السياسة هم موظفون في خدمة البرامج الاستثمارية ، وان هناك قيادات غير منظورة تقود كل القيادات المنظورة.
على أية حال إن هذا الأمر أجده بحاجة إلى بداية سليمة وهنا بدأت وعلى بركة الله كما سيبدأ الآخرين لقراءة كل ما لابد أن يُقرأ وكذلك لاستقراء المنهج ، بداية شخصية متواضعة وأكون شاكرا لمحاولات التصحيح والتذكير بموجب الأدلة العلمية ولمن يبدأ المشوار من جديد بقراءة شخصية له قد تكون أكثر وضوحا وعلما وفائدة للفرد والمجتمع ولا تخرج على رضوان الله فيما أمر.
وهذه القراءة التي بين أيديكم أسال الله أن تحظى بعناية الفضلاء من رجال التشريع والقضاء وبالأخص منهم رجال الدين والنجباء من سادت العشائر والمخلصين لشعوبهم من المفكرين والمثقفين والشباب الملتزم بالحق والكلمة الصادقة.

وأسجل دعوتي للجميع للإطلاع على هذه القراءة وأشكر الله فيهم على ذلك ، نسعى معكم جميعا إلى كل خير والله من وراء القصد والحمد لله رب العالمين.
16
                  بسم الله الرحمن الرحيم
نبدأ بما بدأنا الله به
نبدأ معا أيها القارئ الكريم بقراءة لما نرى وما هو كائن على الأرض :
ونجد إن دين الله ورسله وأنبياءه وكل المؤمنين بهم هو كيان ثابت على الأرض ، ولا يتسنى لأحد أن ينكر وجوده ، انه حزب الله.
كانوا حزبا لأنهم في مواجهة عدو لهم هو حزب الشيطان ، إن حزب الشيطان هم أولئك الذين اجتمعوا على عدائهم لله ورسله وأنبياءه وكل المؤمنين. 
إن الله هو اسم لخالق كل شيء ، أما الشيطان فهو تعريف لكل سمي يصدق عليه تعريف الشيطان ، إنه يتبنى مخالفة الخالق فيما أمر. 
فكل المؤمنين بالله وكتبه ورسله هم أولياء الله وأما من عاداهم فهو من أولياء الشيطان ، وبين الحزبين الحرب سجال ، وأفراد كل حزب بعضهم أولياء بعض ، ولا اقصد بحزب الله حزب شكله ويرأسه غير الله تبارك وتعالى.
إن هذا العداء والتحزب ما كان إلا على حب الاستئثار بالحكم أو خلافة الله في ملكه ، إنها مسؤولية تسبق المسئول فيها سيادة وفسحة من الخيارات تقوم عليهما صلاحيات الحكم والقضاء.
قال تعالى :{ وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ... } 30 /2 سورة البقرة.
فعلمت الملائكة بالخليفة وما كان حينها الخليفة ليعلم بخلافته ، إنها سنة الإعلان عن كل خليفة لله على قدر ما سيكون بين يديه من الأمر بعلم الله على ما أجد ، 
17
وما خلافته إلا أن يحكم في الأرض في رعيته ليس إلا ، فخلافته في حدود ؛ كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته.
فالخليفة هو العظيم في مجتمعه والسيد في قبيلته وكل رب في أهله وماله ، فلا أقصد بالخلافة ما تفهمه التنظيمات الدينية والتي يسعى كل منها إلى نيل الخلافة.

إن الخلافة لا تخرج عن أحكام الأمانة التي عرضها الله على السموات والأرض ، إنها الحركة والعمل بموجب رضوان الله ليس إلا ، أمانة عُرضت على كل مخلوق  في السموات والأرض ، من الأحياء وغير الأحياء ، فمن ذا الذي يتعهد بتمام الأداء في ذلك أمام الله من خلقه ؟
حقا إن من تامنه أن يجري في فلك عبوديته لك إذا منحته حرية من الخيارات يستحق أن ينال شرف خلافتك في أمرك.
قال تعالى:{ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا }  72/33 سورة الأحزاب
  قال تعالى: { هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ ...... }  39  /35 سورة فاطر
قال تعالى :{ وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ }  24 /37 سورة الصافات
فكانت الأمانة هي الخلافة ، وللخلافة قد خلق الإنسان ، إنه لا يأبى أن يحمل الأمانة ، فكانت الخلافة مسؤولية كل فرد من الناس وعنوانا لكتابه وحياته وقصصه وفق تعليمات وصلاحيات الخلافة.
 فليعمل كلُ من يعتز بما أكرمه الله بالخلافة كلَ ما أراد ورضي أن يفعله الله فيما كان بين يديه من الأمر.
وليس من الأدب أن تكلف الذي كلفك ما كان هو قدر وسعك.
18
ولان الله لا يُسأل عما يفعل لا يُقال له راعنا ، بمعناها ؛ هيئ لنا برعايتك ما يقع على الراعي بموجب مسئوليته عن الرعية ، لأن العلاقة بين الخالق والمخلوق ليست علاقة بين راع ورعية ، وليس لنا إلا أن نقول سبحان الله عما يصفون. 
 قال تعالى :{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ }  104 /2 سورة البقرة
قال تعالى :{ لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ } 23 /21 سورة الأنبياء

وقد اشتهر في كتب العلم أن كلمة راعنا هنا بمعنى أمهلنا ؟
وفيما أجد ؛ أن الله لم يتعجل خلقه فيما أمرهم به ، ولم يحرمهم فرصة ليُقال له ( أمهلنا ) ، ولا أجد ( أمهلنا ) مما كان محرما أو منهي عنه من القول ، فلا ينبغي أن تأخذ ( أمهلنا ) حكم تحريم ( راعنا ) في هذه الآية الكريمة.
وأجد إن الخلافة هي دليل للكشف عن الخلاف والاختلاف ومقياس لذلك ، وكان أول اختلاف هو سنة للاختلاف وقد قام في السماء وقبل قيام الخليفة ، فالخلافة هي الصراط إلى الجنة بلا خلاف ، والخلافة بتبني الاختلاف كانت سُبلا إلى النار.
إن الاختلاف هو مشيئة الخروج عن رضوان الله إلى ما شرع الله من الخيارات الأخرى ، إن ما أمر الله به في كتابه كان من رضوان الله ، وما أمر الله إلا بما يرضى به ، فشريعة الرضوان هي المجموعة المرجعية لرصد وقياس الاختلاف ، فالاختلاف مرجعي الرصد لا نسبي ، لأن الاختلاف النسبي يُضلل عن اتخاذ الثوابت والمبدأ والقرار على علم ، بدليل هو قول كل أمة فيمن يخالفها بموجب مبدأ الاختلاف النسبي ؛ في مخالفتهم الرشد.
19
ولا يدعي أحد منا إن خلافته لله في الأرض تصل إلى مستوى خلافة خاتم الأنبياء والمرسلين ، ولذلك قد سُن لكل من أمته سُنة الخلفاء الراشدين ؛ ألا يكون أي منا إلا خلفا لسلف ، خلفا لرسول الله وانه لنا نعم السلف صلى الله عليه وسلم.

ولأخذهم بمطلق الخلافة قد حسب الملائكة أن في الخلافة تعارض مع تسبيح الله وقدسيته لاحتمال أن يأتي خليفة الله بما يُنزه الله عنه ، فالتسبيح هو تنزيه ، والقدسية في أعلى درجات التسبيح ، وفيما حسبوا كان فيه تجاوزا إلى الدلالة
المطلقة للكلمة بالابتعاد فيها عن حدود الأمر أو التكليف ، وهذا من النظر الذي لم يقف عند أثر.

إن ما بعد الأمر أو التكليف تقع المعاصي والذنوب ثم ما لا يمكن وقوعه ، ولا تكون خلافة الله في المعاصي والذنوب ، فهذه ثلاثة تدعونا للتمييز بينها بعناية ، وهنا قد ولد الظن ، في حدود القصص المنزل ، وهو سنة قوليه ، بغض النظر إلى منشأها ،  ويجب فيها أن لا يُحمّل الأمين ما فعل المأمون ظلما لأنه يُضرب مضرب الاستنباط ، وينتحل الاستغراق المنطقي إيهاما ولذلك لا يرقى إلى درجة الأحكام. 
قال تعالى :{ وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ... }  30 /2 سورة البقرة.
إن قول الملائكة هنا بإمكانية سفك الدماء يوحي باحتمال وقوعه على الأرض قبل خلق سيدنا وأبينا آدم عليه السلام ، وفي ذلك وضع القصاصين ، وأجد قول الملائكة هنا جاء دلالة على قدرتهم في الخيال العلمي ، ذلك لان الله قد اجتث

20
الاحتمال لفرضية قد وضع القصاصين فيها ما وضعوا عندما ذكر إن أول قاتل هو قابيل في حدود أحسن القصص.
قال تعالى: } نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآَنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ { 3/12 سورة يوسف
 كما إن سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم قد أكد فيما أخبرنا من بيانه بأن قابيل هو أول من سن سنة القتل ، وبذلك كان خروج قابيل على إحكام الفطرة إجراما ، إن أول من تبعه مباشرة في إجرامه كان الحيوان ، الذي كان بناءا على ذلك يموت بغير قتل يدل عليه دليل ، ثم جاء قابيل الهدى بعملٍ لمن كان أهدى منه ليكون إسوة له ، فانظر أول إسوة الى الهدى للمجرمين ، وفي ذلك موعظة للمتقين.
نعود الآن إلى تكملة قولنا ؛ 
لقد كان أغلب الملائكة في قولهم هذا من سورة البقرة على نية سليمة وظن خاطئ سببه قلة العلم وعلى ذلك :
قال تعالى : { ...  قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ }  30 /2 سورة البقرة.   
وعلموا فيما بعد إن التصريح بالخلافة كان سببا للكشف عن وجود عدو لله بينهم يُخل بإجماعهم ، وذلك ببيان اسمه الصريح على لسان الخليفة المرتقب وكذلك بإظهار معصية هذا العدو لأمر لله ، كان فيه تمحيص لما في القلوب ، وما كان حينها هذا الأمر محرما بعد ، وهو السجود لغير الله ، لأنه في حكم ما لا معصية فيه لتشريع معلن حين صدور الأمر ، ولا أقول في حكم المباح ، لأن المباح حكم لا ينطق به دليل ، إن التشريع المعلن هو اقل مما في أم الكتاب من علم يتطلب إعداد وتعليم وتربية العاملين للعمل به ، عملا بسنة التدرج في العلم.
إن من بعد خلق آدم عليه السلام كان من إعداده لأمر الخلافة أن علمه الله إجراء تسمية كل شيء باسمه ، انه برنامج عمل ، وكان من ثماره الأسماء ، وهي أول
21
مواد التعليم , وهو علم جليل له الأولوية في كل علم ، ويقتطف ثماره كل الناس إلى قيام الساعة.                     
قال تعالى :{ وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } 31/2 سورة البقرة
فمن بعد أن علم الله آدم الأسماء كلها قد قال ( أَنْبِئُونِي ) ولم يقل أخبروني ، فأسمائهم لم ينطق بها احد بعد على جمع ، فما الأسماء إلا نبئ يأتي به إلى الوجود من حمّلَه الله علم الأسماء ، لقد حمّله الله علمٌ مجرد.    
بمعنى إن كنتم صادقين في إجماعكم الذي تضنون ، وذلك في التسبيح والتقديس وكذلك في استنباط أنباء عمل من في الأرض بعلم الغيب الذي لا تملكونه وكذلك فيما تجدون من التعارض ، فأنبئونا أسماء هؤلاء قبل أن تنبئونا عملهم ، لكي نُحمّل صدق النبأ البعيد على صدق النبأ القريب ، إن في هذا اختبار لعلمكم ، ولذلك :
قال تعالى :{ قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ }  32/2 سورة البقرة
لم يكن الملائكة يعلمون أسماء هؤلاء ، وكيف يأتون بأسمائهم وهم لا يعلمون أسماء أنفسهم ، ولذلك :
قال تعالى :{ قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ ..... }  33 /2 سورة البقرة
لقد أطلق أبينا وسيدنا آدم عليه السلام تسمية ( إبليس ) على عدو الله كما علمه الله ، فكان اسمه فضيحة له ، لان الإبليس هو أولا الحزين ، واجد ذلك على ما فاته وهو نيل الخلافة ، وثانيا هو الذي قل خيره ، واجد ذلك في عبادته ، وثالثا هو الذي يئس من رحمة الله ، وهذه الثلاث هي من دلالة هذا الاسم في اللسان العربي وهو لسان التنزيل ، والله اعلم بدلالة كل اسم في كل لسان ، وبناء عليه فان دلالة الاسم هي نبأ عن المسمى.
22
واجد أن النبأ الذي ظهر لنا في كشف الدلالة لهذا الاسم كان هو البرهان لما جاء في نفس الآية عندما :         
قال تعالى : { ... أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ }  33 /2 سورة البقرة
فحمل آدم صدقا لأنه عن علم من الله أنباء الملائكة ، فأسماء الملائكة نبأ حمله إليهم آدم عليه السلام ، وهكذا يأتي نبأ كل ذي اسم ، كما إن الأسماء التي تأتي على لسان الملائكة من قبل ومن بعد مصدرها النبأ الذي يأخذوه عن غيرهم ، وكان النبأ كذلك هو من مصادر العلم.
وتبع ذلك وفي نفس السورة إن :
قال تعالى :{ وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ }  34 /2 سورة البقرة  
كما وقال تعالى في سورة ص :{ إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ ﴿٧١﴾ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ ﴿٧٢﴾ فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ ﴿٧٣﴾ إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ ﴿٧٤﴾ قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ ﴿٧٥﴾ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ ﴿٧٦﴾ قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ ﴿٧٧﴾ وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ ﴿٧٨﴾ قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ﴿٧٩﴾ قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ ﴿٨٠﴾ إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ ﴿٨١﴾ قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ﴿٨٢﴾ إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ ﴿٨٣﴾ قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ ﴿٨٤﴾ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ ﴿٨٥﴾}  71 ـ 85 /38 سورة ص
إن إبليس وقبل تسمية مكان تنفيذ أمر الله بحقه قد ( قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ) 79/38  طلب بهذا على ما أجد أن يحكم له وليا للنظر ( يتولى نظريته
23
 ) ، ليصدق ظنه ( لإثباته ) ، وليكسب ملازمة آدم عليه السلام في الجنة ، ولكي يهبط معه إلى أرض الخلافة ، وبذلك لم ينفذ الامر بإخراج إبليس من الجنة قبل أن يهبط الجميع الى الأرض معا.
كما إن إبليس لم يكن دقيقا في قوله ( خلقتني من نار ) لأنه قد خُلق ( من مارج من نار ) ، والنار هي نور ولهب ورماد بالإضافة إلى سواد النار ويدعى السخام ، إن اللهب الشديد للنار وسوادها يقال لهما معا مارج من نار ، فلم يُخلق إبليس من كل مكونات النار ، لأنه لم يُخلق من نورها ولا من رمادها
قال تعالى :{ وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ }  15 /55 سورة الرحمن
قال تعالى :{ وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ ... } 50 /18 سورة الكهف.

ولمن قال إن الجن ليسوا من الملائكة أقول : بل كانوا منهم ، لأن إبليس كان من الجن قبل أن يفسق ، فكان مشمولا بأمر السجود لآدم عليه السلام عندما وجه الله أمره إلى الملائكة.
قال تعالى :( مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (12) ) سورة الأعراف.
 كما إن من أحكام اللسان العربي أن يكون المُستثنى بعضا من المُستثنى منه ، إن إقرار الاستثناء بسبب الفُسوق هو قرار بالطرد عن الجماعة ، فعاد بذلك للملائكة إجماعهم على طاعة الله ، فمن بعد الاستثناء والطرد لم يعد إبليس وذريته من جماعة الملائكة ولا من جماعة الجن كذلك ، فغير إبليس  من الجن فيبقى مسلما إلا من يتبعه منهم.
24
فكان إبليس على رأس فرقة خرجت عن جماعة الملائكة وعن الجن تحديدا ، فكان هو أول من فارق الجماعة وسن سُنة الفرق ، في حدود القصص المنزل ، ومن الحكمة أن لا نتعد حدود القصص المنزل في تثبيت الوقائع التي هي حيثيات البناء التشريعي والعقائدي ، وبناء عليه ؛ تعرف الجماعة بإجماعها أو بما أجمعت عليه أو بأعضائها العاملين بالإجماع.
إن إبليس لم يُصرح بإحدى العلتين جوابا على ما سأله الله فيما ذكرنا قبل قليل من سورة ص ( أستكبرت أم كنت من العالين ) ، واختار البرهان فقط على ما يريد ، فكان قوله أنا خير منه ، فان قيل له ؛ لماذا أنت خير منه ؟
فانه قد قال خلقتني من نار وخلقته من طين ، وإذا قيل له ؛ إن الله لم يقل إن النار خير من الطين فمن أين جئت بهذا الحكم ؟ انه حكم الهوى ، هوى النفس ، فقوله خير منه هو تفضيل منه لنفسه بالموجود لا بالجود ، بالموجود منذ النشأة لا بما يُكتسب بالسعي ،  إن قوله ( خير منه ) يُراد منه القول ( أعلى منه ) ، وفي هذا اعتراف منه بعلو منزلة أبينا آدم عليه السلام ، ولكن اختار لنفسه صفة الأعلى ، وهذه الصفة بحاجة إلى بيان حدها الأعلى ، فجعل من هذا دليلا و بيانا لعدم سجوده لآدم عليه السلام. 
إن إبليس في جوابه هذا قد سن للعالمين سُنة يظن من يعمل بها انه أكثر توفيقا من الله في اختيار الأشياء والأشخاص وصفاتها وأحكام عملها وعلاقاتها ، ولذلك نجد لهم أقوال فيما يجب إن يكون عليه توزيع الأرزاق واختيار الرسل و الأنبياء وأئمة الدين ، وهذا اعتراض منه وممن عمل بسنته على حكم الله و استبدال وتفضيل لحكم الهوى على حكم الله ، لا بل انه قد صرح بما يريد قوله ولم يقله في سورة ( ص ) عندما قاله على لسان من عمل بسنته وهو فرعون القائل ( أنا ربكم الأعلى ) فهو لا يرى نفسه من العالين فحسب بل يرى
25
 نفسه هو العلي الأعلى ، وفي قوله هذا يطلب ما هو أكثر من خلافة الله ، انه يُعلن منافسته لله في مُلكه ، ليس هو فحسب بل هو ومن عمل بسنته.
قال تعالى :{ هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى ﴿١٥﴾ إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى ﴿١٦﴾ اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى ﴿١٧﴾ فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى ﴿١٨﴾ وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى ﴿١٩﴾ فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى ﴿٢٠﴾ فَكَذَّبَ وَعَصَى ﴿٢١﴾ ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى ﴿٢٢﴾ فَحَشَرَ فَنَادَى ﴿٢٣﴾ فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى ﴿٢٤﴾ فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى ﴿٢٥﴾ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى ﴿٢٦﴾}  15 ـ 26 /79 سورة النازعات
ومن المعلوم لدينا إن قياس خير المخلوق يتناسب مع إنفاقه وكرمه ، هكذا فهمنا الأثر ( اليد العليا خير من اليد السفلى ) بينما نجد إبليس يأمر أتباعه بالبخل ويخوفهم الفقر ويأمرهم باكتناز الأموال ، يأمرهم بالموجود لا بالجود ، ونجد إن قياس درجة التفضيل بين الكرماء تكون بتقوى الله ( إن أكرمكم عند الله أتقاكم ) بينما نجد إبليس يأمر بما يأمر به الهوى لمعصية الله فيما أمر ، هذه سُنة إبليس وهو أول من عمل بها في حدود القصص المنزل.
قال تعالى :{ وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ } 35 /2 سورة البقرة
قال تعالى :{ فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى ﴿١١٧﴾ إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى ﴿١١٨﴾ وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى ﴿١١٩﴾}  117 ـ 119 /20 سورة طه
فالخروج من الجنة هو خروج من السعادة إلى الشقاء الذي تتحمل فيه أربعة ؛ تجوع وتعرى وتظمئ وكذلك تضحى ، ذلك الذي قد حذر الله منه.
وسلاح هذا العدو هو التضليل يواجه به الهدى وليس للإنسان إلا الخيار ، فلا تجعل للنسيان غلبة عليك لقلة عزم في الأخذ بالهدى .
26
قال تعالى :} .... وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا  {60/4 سورة النساء.
فلا يرضى لك الله ما يسعى لك فيه عدوك وهو إخراجك من الجنة فتشقى ، وأفضل الخيارين أن تصل إلى الأرض نزولا من الجنة لا إخراجا منها ، وان الله بما أعد لك في الجنة لا يدعوك إلى مغادرتها.
وفي هذه الآيات الثلاث من سورة طه تحذير من خمسة ، الشيطان رأس فيها ، تحيط بسادس لها وهو الخروج من الجنة.
قال تعالى :{ فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ ﴿٢٠﴾ وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ ﴿٢١﴾} 20 ـ 21 /7 سورة الأعراف
وبهذا استطاع إبليس أن يُبدي لهما الشك وهو بعضا من الظن فاهتز اليقين فاسلما أمرهما إلى التجربة وهي طريقا آخر إلى اليقين ، ( ذاقا الشجرة ) وجعلا من نفسيهما حقلا للتجربة ، تجربة المحذورات الستة.
قال تعالى :{ ... فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ } 22/7 سورة الأعراف
فاتخذ النذير عن المحذور عقلا ( العقل : حبل يربط الشيء إلى مرجع ليدور ويسعى في حدوده ) يحجب عنك طريقا وتجربة وشقاء فان ركبت المحذور جاء بك إلى اليقين بالنذير من حيث بدأت بعد ساعة مرة ، فلا تجد خيرا من الطاعة طريقا لك بين النُذر واليقين ، وما كانت الطاعة لدليل كتاب الله وقول العليم الخبير طاعة عمياء ، إنما هي إيمان في حدود الهدى ، ترى بعين الله وتعمل بعلمه ، فالهدى هو هدى الله.   
قال تعالى: ( وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ )99/15 سورة الحجر.
27
إن في الدين قدر من أنباء الغيب لا تحتمل التأجيل في حسابات الكفاءة والأمان للعمل والعاملين لتجنب الضرر ، فيجري تبليغهم بها وان لم يصلوا درجة الإدراك العلمي لمضامينها ، فهي من النصوص الأساسية في العقيدة ، والأيمان بها لا يكون إلا بمنحها ما تستحقه وهو منزلة الدليل العلمي في الاعتقاد والعمل ، فلا يمكنه الاستغناء عن الإيمان بها من يطلب الأمان والسلام.
إن اليقين هو ترجيح لعامل من عوامل الاحتمال وقد يكون على خوف ولكنه لا يُتهم بمعنى إنه لا ريب فيه ، ولا يُقطع به إلا بدليل من العقيدة أو التجربة ، العقيدة التي يقرها كتاب الله ، وإلا كان إتباعا للظن إما لقلة علم أو مخالفة ليقين ، والريب هو خوف من عامل من عوامل الاحتمال يُتهم ، انه خوف من المجهول ، فهو ظلمة لا دليل فيها ليُتبع فدع عنك ما يُريبك ولا تتبع إلا اليقين فلا يغرنك الغَرور ، فاحذر أسباب الخديعة ، ولا تنسى قول الله ، جعله الله ذِكرا لك إن جعلتَه لك ذكرا.
قال تعالى : { ... وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ ﴿٣٦﴾ فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ﴿٣٧﴾}  36 ـ 37 /2 سورة البقرة
هنا تم تسمية مكان تنفيذ الأمر بحق إبليس ، انه أرض الخلافة التي قد ذاع صيتها قبل ذلك بكثير ، فكان أول مطرود أخرج من الجنة وكان ممن هبط مع سيدنا آدم عليه السلام.
لقد اهبطوا سبع سموات إلى ارض ذات سبع طباقا ، وضع عليها أول بيت للناس ، للذي ببكة ، إنه بيت مبارك ، والبيت هو كل ما تنوي السكون اليه ، فهو قبلة الساكنين ، يوضع ليكون هدى لمن يسعي إلى الأمن والأمان ، ثم كان فيه مقام سيدنا إبراهيم عليه السلام.
28
قال تعالى: }  إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (96) فِيهِ آَيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ ....  { 96-97/3 سورة آل عمران
ثم تعددت بيوتهم وانتشرت ، وقبل قدرتهم على الاجماع بعلم للتوجه الى قبلة واحدة قد
قال تعالى : } وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّآَ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ { 87/10 سورة يونس
وفي هبوطهم الى الأرض كما قلت قد
قال تعالى :{ قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى } 123/20 سورة طه
 إنه وعدا من الله بهدى ، ولكن لا نحيط بشيء مما في هذا الهدى وهو من العلم إلا بوسيلة وهي النبوة ، فكان هو وعدا بالنبوة كذلك ، النبوة بكل أجزائها كانت وسيلة بمشيئة الله ، يتبعُها من يسعى لتقوى الله فيما حذر منه وأمر.
قال تعالى: }... وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ... { 255/2 سورة البقرة.
إن هدى الله كان هو السابع المنجي من ستة حذر الله منها الذين اهبطوا إلى الأرض ليكون سببا لمن يسعى للعودة إلى الجنة فيدخلها بسلام.
29

قراءات في ارض المختبر
1
التجارب والمختبرات
إن سيدنا آدم عليه السلام قد هبط مع الهابطين إلى موقع خلافته الذي ذاع صيتها بعد إن حمَل نفسه مشقة استخراج اليقين ، وهو البرهان ، واليقين هو بين يديه ، ليستخرجه في ارض المختبر ، ليكون البرهان دليلا لكل منا على ما بين أيدينا من نصوص الإيمان بعد نسيان لها أو تهاون في أخذها.
قال تعالى:{ وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ } 13 /45 سورة الجاثية
لقد سخر ذلك ليكون طوعا لكم في عملكم وتجاربكم ومختبراتكم.
فالتسخير هو لكم في خيركم وشركم على حد سواء ، وذلك من الله من غير أن يحجب عنكم في ذلك شيء بعد هبوطكم من الجنة فالباب مفتوح لكم على مصراعيه.

نعود الآن إلى ساعة الهبوط :
هنا على كوكب الأرض انقطع عن آدم وأهله وذريته الكثير ومن بين ذلك الاتصال بالعالم العلوي ، فإلى من يُسلم الإنسان أمره هنا بعد قطع الصلاة على كوكب الأرض ليهتدي بهداه ؟
انه سؤال مركزي ، لان قائمة ما يجهله الإنسان أمست كبيرة ، فلا يعلم ما ينفعه وما يضره فيها ومن يواليه ومن يعاديه ومن يضله ومن يهديه فكان كوكب الأرض للإنسان مختبر عظيم ، سيكون له من التجارب عليه كم عظيم إلى جانب
30
 خلافته فيه ، ولكن هل يعود الإنسان فيسلم أمره وبحكم الضرورة إلى هدي التجربة مرة أخرى ؟                  
ولقد علمنا فيما بعد إن التجربة مدخلا واسعا لا غنى عنه أبدا من مداخل العلم ، ولكن لم يصل الإنسان فيها إلى نهاية هذا الطريق ، ومن الخطأ التسليم لتجربة لا نعلم نتائجها إلا أن يكون الضرر المحتمل القائم على الظن العلمي يتقبله المجتمع ، فالتسليم لا يمنح للتجربة من حيث المبدأ ، وبالأخص في المسائل الإنسانية العظيمة ، لان التجربة الإنسانية لم تمتلك بعد شروط كتابة عقيدة وتشريع بدرجة الثوابت للعالم المتغير لان البحث التجريبي لم ينتهي بعد ، ولن ينتهي ، كما إن تجربة يدخل فيها مجتمع بكامله ولا يُعلم نتائجها أو خطورتها لا تُقاس بتجربة أحد أفراد هذا المجتمع في تقبله بحكم الضرورة إجراء عملية جراحية له في مستشفى تعليمي لأنه لا يملك ثمن إجرائها في مستشفى خاصة ، وأقصد من هذا المثال تحديدا إدخال مجتمع ما في تجربة لأحد نظريات التطور الاقتصادي أو السياسي أو الاجتماعي ، وذلك لان النظرية هي افتراض علمي لا يفسر إلا بعض مظاهر الظاهرة ولذلك لا ترقى إلى درجة القانون وتفندها المظاهر التي لا تفسرها ، ويكمن ضرر هذه النظريات في التلاعب بتعجيل التطور أو إيقافه في هذا المجتمع أو ذاك بموجب ما تمليه الأهواء والأمراض في السلوك الفردي أو الاجتماعي ، ويكمن ضررها كذلك في التمكن من مصادرة خيرات الشعوب وسيادتها وذلك بتفعيل الشرعية الوضعية في قيادة هذا المجتمع أو ذاك ، وبذلك يتمكنون من  تعطيل الخيار الأمثل لكل شعب في منح السيادة ، وقد يصل ضررها في أحيان كثيرة إلى قتل الإنسان الذي كانت سعادته سببا معلنا لميلاد هذه النظريات ، تلك النظريات فقط هي التي يراد منها الاستيلاء على مركز القيادة والحكم والسيطرة على مقدرات الشعوب.
31
نعود مرة أخرى إلى السؤال الذي قلنا انه مركزي :
إلى من يسلم الإنسان أمره ؟
هل يسلم الإنسان أمره إلى هدي البرامج التي يوظف العلماء أنفسهم للعمل على خدمتها ؟
إن سؤالنا هذا أجده أكبر بكثير من برنامج عمل إي مختبر نختار منها  ، وقد انحسر العلم والعلماء وطلبة العلم كل إلى حلقة من حلقات البحث والدراسة ، فكانت لهم إداريا مؤسسات ودوائر ومراكز ولجان أجد أكثرها بحق هي من أسمى ما يُشَبّه بالكواكب الدُرّية.
إن حاجة حلقات العلم والعلماء والدارسين إلى مصادر الدعم المادي جعل وجودها مرهون بوجود هذا الدعم ، وللإبقاء عليها استثمرها بعض من رجال المال والحكم في عملياتهم الاستثمارية والإنتاجية والدفاعية وفي إعداد التقرير ألاستخباراتي ، وكل يوظفها بموجب خططه وبرامجه ، ومنهم من يسعى إلى وحدة السيطرة على المركزين المالي والسياسي في العالم للسيطرة على ملك الله بدرجة أو أخرى.
إن رجال المال والحكم ليسوا سواء ، فلا نقول في احد منهم إلا بعد تجربة ، ومن يدخل تجربة بإرادته عليه إن يتحمل نتائجها بروح علمية.
قال تعالى : { وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ .... } 116 /6 سورة الأنعام
تأمل معنا يرحمك الله من هو ( أكثر من في الأرض ) وبماذا يكون ( أكثر من في الأرض ) ؟
هل هو من الإنس ، من الجن  ؟ وهل يكون أكثر من في الأرض بما أوتي ؛ مالا ، علما ، قوة ، ولدا ، أتباعا ..... ؟
32
مهما يكن من أمر ، أن أكثر من في الأرض هو مضل بالكثرة ، وقد يكون سببا لإضلال نبي مرسل ، كما ذكر الله ذلك ، فالخشية على غيره من العالمين هي أكبر بكثير.  
وبين هذا وذاك يفوز بالأولوية والصدارة الدليل العلمي المجرد ليكون كالنجم الذي يهتدي به السالكين ...
ولكن كما قلنا فان البحث التجريبي لم ينتهي بعد ، وإن ما نحصل عليه لا يزيد عن القليل ، هكذا كان تقدير العزيز الحكيم.

فهدى التجارب أو المختبرات لا يسد من الحاجة إلى الهدى إلا القليل كذلك ، ويترك صاحبه وحيدا في الكثير ، يتركه في كل ما لم يُؤتى علمه بعد ، فهدى التجارب أو المختبر فيه مساحة من العجز. 
33

قراءات في أرض المختبر
2
القدرات الفردية
 على كوكب الأرض نجد فينا كذلك حاجة إلى قريب إلينا يأخذ بأيدينا ، ويهدينا ، فنهتدي بهداه.
إن هذه الحاجة فينا هي أحد مبررات السؤال المركزي الذي ذكرناه من قبل .... إلى من يسلم الإنسان أمره ؟
فهل يسلم الإنسان أمره إلى هدي القدرات الفردية ؟
إن الاستقبال الحسي للكائن الحي لا يسجل من المؤثرات الكونية إلا القليل ، مما هو كائن منها في فترة عُمره أو عُمر الكون ، وهذا عجز أو قُصور في الاستقبال الحسي ، قد يُشكل سببا لضرر أو هلاك يمكن تجنبهما لو لم يقعا فيما عجز عن استقباله ، فتوجد مساحة للعجز.
ويُقرر علميا انه لا علم للكائن الحي ومُنذ النشأة الأولى إلا عن طريق مُستقبلاته الحسية التي كانت وسيلة لنا من الله إلى العلم.
قال تعالى: }... وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ... { 255/2 سورة البقرة
إن الفرق الحاصل بين استيعاب الكون للأحداث فعليا من جهة واستيعاب المستقبلات الحسية للكائن الحي لهذه الأحداث عمليا من جهة أخرى خلال وحدة زمنية واحدة يشكل فرقا هائلا جدا ، ناهيك عن قدرة الكائن الحي على ما يُدركه منها إدراكا علميا ثم قُدرته على اتخاذ رُدود الفعل المناسبة وفي الوقت المناسب.
34
إن ما عجز عن تسجيله الاستقبال الحسي للكائن الحي من كل المؤثرات الكونية على امتداد زمن وجود الكون يشكل حجما عظيما جدا وهو الذي يُدعى تحديدا بمفهوم الغيب ، فالغيب يحيط بعالم صغير من المعارف للكائن الحي ، فما أوتي المخلوق إلا قليلا مما يسمع الله ويرى ويكون شاهدا عليه.
قال تعالى :{ ... وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا }  85 /17 سورة الإسراء

 قال الله تبارك وتعالى عن نفسه ( عالم الغيب ) وهذا نبأ بوجود علم يُدعى علم الغيب المجرد ، فسبحان الذي أخبرنا بان للغيب علم ، وهذا مما لا يتمكن من قوله مخلوق ، لأنه ما من مخلوق إلا وتعجز عن الإحاطة بالغيب قدراته الفردية , فعلم الغيب هو من الغيب ، لا بل إن علم الغيب هو أعلى درجات الغيب ، فلم يتمكن من هذا العلم أحد من العالمين ، ولو تمكن أحدا من العالمين أن يبلغ درجة هذا العلم لما بقي هناك ما يدعى غيبا ولقلنا انه علم الشهادة ، لا علم الغيب ، ولتوقفت حركة البحث العلمي ، لأنها سوف لن تأتي بنبأ جديد لا يعلمه ولو فرد واحد من العالمين.

إن علم الشهادة لا تملكه إلا أن تشهد كل مشهد ، كلٌ في أوانه ومكانه بعلمك ، فهل يتمكن المخلوق من ذلك ؟
إن الغيب هو علم وأنباء ، فنقول علم الغيب وأنباء الغيب ، والدقة العلمية تقتضي التمييز بينهما :
وفي حدود علم الغيب ، والمقصود به علم الغيب المجرد ، نجد أدلة وأحكاما في كتاب الله ومنها :
قال تعالى: { قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ ... }  6 /27 سورة النمل
35
لماذا لا يعلم الغيب عن طريق علم الغيب المجرد إلا الله ؟
ذلك لأنه قد ؛                                          
قال تعالى : { وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ ... }  59/6 سورة الأنعام
فلا يُفتح هذا العلم إلا من يمتلك مفاتح هذا العلم.
ولو قارنا بين قوله تعالى ( لا اله إلا الله ) وقوله تعالى ( لا يعلم ...الغيب ألا الله ) لوجدنا إن الآيتين قد جاءتا على نحو واحد يفيد توحيد الله ، توحيد الإلوهية في الأولى وفي الثانية توحيد الله في علم الغيب ، ولا دليل لتوحيد الله إلا من شريعة الله.
فليس لعلم الغيب من علماء إلا الله ، ولا تجد أحدا غير الله عنده مفاتح الغيب ، وعالِم الغيب لا يحتويه عِلم ، وإلا كان العِلم قد أقامه غيره ، فهو الوحيد الذي خط لوح العِلم ، فعِلم الغيب هو عِلم الله والغيب غيبه ، فلا نعلم عن الله إلا ما أخبرنا به عن نفسه ، إلى هنا منتهى إمكانية علمنا ، وعن نفسه قد
قال تعالى:{ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ } 73/6سورة الأنعام
ومن المعلوم لدينا علميا أن لكل علم قوانين خاصة به وحسابات وقواعد وبديهيات لها تطبيقاتها العملية والنظرية ، ولا نجد أحدا من العالمين يمتلك شيء من هذا ضمن حدود علم الغيب المجرد ، وعليه فان مفاتح الغيب هي بديهيات وقوانين وقواعد هذا العلم وحساباته الرياضية , فعلم الغيب هو علم مجرد.
إن أولياء الله من المرسلين والأنبياء وكل الصالحين لم يدعي احد منهم امتلاك مفاتح الغيب إلا إن يكون ذلك افتراء عليهم لأنهم يعلمون قبل غيرهم إن الغيب يتطلب قدرات تعجز عنها القدرات الفردية للمخلوق ، ولو ادعى أحد العالمين امتلاكه مفاتح الغيب لشهد العالمين على عجزه عن جواب ما يُسأل عنه ، وفي
36
عصر النضوج العلمي سوف لا يُسأل عن مسألة عابرة مثلما يُطلب منه تدوين منهج تعليمي يذكر فيه البديهيات والقوانين والقواعد الخاصة بهذا العلم وحساباته الرياضية ليتمكن المجتمع بذلك من تخريج مختصين في هذا العلم فيكون المجتمع في غنى عن مختبرات البحث العلمي وتكاليفها الباهظة على اقل تقدير ، ويجنبنا الحاجة إلى المحتكرين للعلم ومنتجاته ، من الذين لا يعيرون اهتماما لتحريم ذلك ، كما إن هذا الادعاء لا يُبقي  وقاراً لصاحبه بما يجلب له من الإحراج والسخرية.

واجد إن آل بيت النبي محمد صلى الله عليه وسلم قد افترى عليهم من نسب إليهم ذلك الذي يُقال له علم الحرف ، وما هو بمفتاح للغيب وإنما هو مفتاح للشعوذة والتضليل وسببا لأكل أموال الناس بالباطل واتهاما لآل البيت الأطهار وتحريفا لعلومهم.

إن ما يقال له علم الحرف هو برامج حسابيه ومقابلة بين الحرف والعدد ، تقوم بتوزيع الأسئلة التي ترد إليه من الناس ، بعملية القسمة الحسابية ، على عدد من النوافذ يختارها مصمم البرنامج ، وعلى كل نافذة جواب وحيد مكتوب سلفا ، من قبل معد البرنامج ، وإذا لم تصل إلى الإجابة المناسبة فيما هو بين يديك  من برامجهم وقمت بالاتصال بالخبير في هذه الفن فسوف يكون بين طرح السؤال ووصول الجواب وقتا كافيا يتم فيه إعداد البرنامج والجواب المناسبين ، الذي تجده في كتاب ينشر لاحقا لهذا الخبير ، إنها عملية نصب واحتيال وضحك على الذقون ، ومن الأمثلة على ذلك كتب ومؤلفات الطوخي الفلكي.
37
وفي الحين الذي لا يُظهر الله على غيبه أحدا في حدود علم الغيب المُجرد فان الله في حدود أنباء الغيب قد أظهر من أنباء الغيب الكثير الكثير في نصوص رسالته وعلى لسان رسله وأنبياءه إلى العالمين ترغيبا وترهيبا ، فكان إظهار الغيب في حدود أنباء الغيب لا في حدود علم الغيب المجرد.

إن أنباء كل علم تفيد الترغيب والترهيب وقد يناسب بعضهم القول أنها تفيد الثقافة العامة ، أما العلم المجرد فانه في دار المختصين من الفنيين والحرفيين انه خاص بمن يعمل به ، ومثلا على ذلك ؛ إن التمييز بين الثقافة الطبية وعلم الطب ليس بالأمر العسير ، إن العمل بعلم الغيب المجرد يكون سببا للتلاعب او لتغيير القدر بقدر غيره ثم تعدد الخالقين ثم فساد السموات والأرض ، إن هذا العمل بعلم الغيب الذي ذكرته هنا هو ما يفترض نظريا ، فهو افتراض لا رصيد له عمليا لعدم وجود مخلوق له القدرة على الاستيعاب الآني لكل المؤثرات في الكون مع القدرة على التأثير بموجب ردود الأفعال المناسبة عليها في كل موضع من الكون آنيا.
قال تعالى :{ عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا ﴿٢٦﴾ إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا ﴿٢٧﴾ لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا ﴿٢٨﴾}  26 ـ 28 /72 سورة الجن

فلا يُظهر الله من غيبه إلا أنباء ، وعلى رُسل الله حصرا ، في حدود شروط وتحفظات هي من خيارات الخالق لا من خيارات المخلوق ، فمن سأل عنها غير رُسل الله قد ظلم نفسه ، ومن قال غير هذا القول قد خرج على قول الله وافترى على الله كذبا.
38
وفي حدود أنباء الغيب نجد أدلة وأحكاما في كتاب الله ومنها :
آيات في كتاب الله أنبانا الله فيها تبارك وتعالى عن البعث والنشور ويوم الحساب والجنة والنار وأوصاف وأحوال العالمين في كل ذلك ، وهذا من أعجز الغيب علينا ؛ لانعدام استقبال الحاضر لمؤثرات المستقبل الكونية ، لأنا لا نجد تأثيرا لما هو غير كائن بعد في حدود معلوماتنا الكائنة.
ولكن الذهاب للعيش في زمن من المستقبل ، نجد له دليلين اثنين ، الأول عقائدي فيما هو كائن في الإسراء والمعراج ، والثاني في احتمالات النظرية النسبية ، الأول معجزة أُكرم بها خاتم النبيين والمرسلين سار فيها بأكثر من سرعة ومضة البرق ، على ظهر البراق على ما أجد ، فعاش وشاهد صلى الله عليه وسلم مما هو كائن في المستقبل ، وجرى تخاطب البعيدين عن بعضهما في الزمان والمكان ، بطي المسافات بينهما ، أما الثاني فانه دليل على إمكانية نظرية في النظرية النسبية ، لا تصمد لها إمكانية المخلوق عمليا وفق الحسابات العلمية الكائنة في أيدينا.

إن المعجزة من خيارات الخالق لا من خيارات المخلوق ، ولا معجزة إلا ولها نص ثابت في كتاب الله ، لأنها من أسباب الهدى ، وكان الهدى ميثاق.
ومن بعد المعجزة يأتي العطاء ، لما في الدنيا أو الآخرة ، لكل فرد من العالمين من المؤمنين وغير المؤمنين ، بلا استثناء على مقدار سعيه ليس إلا ، وتلك قسمة عادلة.
قال تعالى:{ كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا }  20 /17 سورة الإسراء
قال تعالى :{ وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى } 39 /53 سورة النجم
39
هذه سُنة الله في خلقه ، وأما المخالفين لسنة الله فإنهم فيما مكنهم الله في الأرض اتخذوا مع من يُخالفهم الحصار والمقاطعة بديلا ، يظنون فيه الرشد.
ومن أنباء الغيب في كتاب الله قصص الكتاب ، ومن القصص رؤيا و رؤية ، وكل ذلك للتوثيق ولإنزال الأحكام والحكمة في مواقع التنزيل ، وفي هذا الباب تجد مثلا قصص الأنبياء ، وعلى ذلك ؛
قال تعالى :{ ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ ... }  44 /3 سورة آل عمران  
ومن أنباء الغيب في كتاب الله نجد السبق العلمي أو التاريخي ، وهو الاكتشاف الذي وثقه نبأ الكتاب والذي سيشهده العلماء أو الناس في أحد آفاق الاكتشافات العلمية أو في أحد آفاق الأحداث التاريخية ، للفرد أو الجماعة أو المجتمع , وفي ذلك ؛
قال تعالى:{ سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ }  53 /41 سورة فصلت

وفي هذا الباب من أنباء الغيب يكتب بعض العلماء الأفاضل مؤلفات قيمة يذكرون فيها أنباء الآفاق التي في كتاب الله العزيز في ضوء ما يكتشف مؤخرا من قبل العلماء المختصين ، وفي هذا تصديق علمي لأنباء الغيب التي جاء بها كتاب الله العزيز ، وبين أنباء الغيب هذه وتصديقها العلمي فترة من السبق العلمي أو التاريخي ، قد تمتد إلى عدد من القرون زمناً ، لذلك كانت تسمية هذا الباب من المؤلفات ؛ الإعجاز العلمي وهو من معجزات كتاب الله ، فهذه الأنباء دليل على صدق الكتاب وصدق نسبة الكتاب إلى الخالق لا إلى المخلوق ، لان المخلوق عاجز عن امتلاك علم الغيب واستنباط أنباء الغيب عن طريق علم الغيب المجرد.
40
فالغيب واسع جدا يقع في الماضي والحاضر والمستقبل ، وقد يغيب عن غيرك ما تعلمه ، والعكس صحيح ، إذ قد يغيب عنك ما يحدث في مجلسك ، ومن الغيب ما يجري في السموات والأرض والبحار ، ولو جاز لأحد من العالمين أن يمتلك علم الغيب المجرد لكانت الأولوية في ذلك لرسل الله وأنبياءه على غيرهم من العالمين ، ولكن الله قد رد علينا هذه الفرضية في كتابه العزيز عندما
قال تعالى ، في أمره لرسوله الكريم أن يبلغ العالمين :{ قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ } 50 /6 سورة الأنعام  
وقال تعالى ، في أمره لرسوله أيضا :{ قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ }  188/7 سورة الأعراف

فالسوء الذي يصيب رسل الله وأنبياءه وكل الصالحين وعجزهم عن استكثار الخير هو حجة الله ودليلاً من الله على عدم امتلاكهم علم الغيب المجرد ، فمن يدعي غير ذلك قد خالف نصا صريحا في كتاب الله وافترى على الله وقال كذبا.
قال تعالى :{ ... وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا }  87 /4 سورة النساء
قال تعالى:{ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ } 9 /15 سورة الحجر
ومن الأدلة العملية والتطبيقية على ذلك في قصص القرءان ؛
قال تعالى في كتابه ، خبرا ، هو قول الهدهد لنبي الله سليمان عليه السلام :{ ... أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ } 22 /27سورة النمل
فالهدهد بدماغه الصغير يدرك ؛ أن لا يشهد كل شيء إلا الله وان رسل الله وأنبياءه لا يحيطون بشيء من علم الله إلا بما شاء الله من الوسائل وإنهم لا
41
يملكون علم الغيب المجرد لأنه علم الله ، فكثير من العالمين لا يدرك ما يدركه الهدهد.

إلى هنا أجدني قد فرغت من مسألة الغيب من حيث المبدأ ، إلا إن هناك مسائل هي من التطبيق العملي ويجري فيها تضليل خطير ، فإتماما للأمر ورفعا للضرر ، استعين بالله لتوضيحها ومكتفيا بأكثرها ضررا وهي مسألة الكهانة  :
من أين للكاهن ( ويقال له كذلك : الشواف ) هذه المعلومات ، التي يخبر بها من يسأله ، فيجد إن كثيرا مما يسمعه منه صحيحا ؟
من المعلوم إن الكاهن يُسّخر واحدا من الجن أو أكثر ، في عمل استخباراتي فيما يُسأل عنه ، إذ يذهب الجن المُسّخَر وبسرعة مذهلة نعجز أحيانا عن تصورها لجمع المعلومات عما يُسأل عنه ، ليأخذها من إخوانه من الجن الذين يسكنون في بيت أو موقع عمل من يُريد الكاهن جمع المعلومات عنه ، ويتتبع هذه المعلومات خلال بضع دقائق حتى إذا ما تم له ذلك جاء بها لبثها في أذن الكاهن الذي يُخبر السائل الذي يُصيبه العجب والذهول.
أفلا نعلم أم نتناسى إنها أنباء من الغيب وان جمعها وإحضارها يعتمد على جهاز استخباراتي من الجن المسخر في هذه الوظيفة ، ونعلم كذلك من خلال النصوص الدينية تلك القدرات التي يتمتع بها الجن ، فلم يعجب سيدنا سليمان عليه السلام لقول وسرعة عفريت من الجن على نقل عرش الملكة بلقيس من قصرها إلى مجلس سليمان عليه السلام قبل أن ينهض من مجلسه.
قال تعالى في كتابه ، خبرا ، هو قول عفريت من الجن لسليمان عليه السلام :  
{ قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ ﴿٣٩﴾} 39 /27 سورة النمل                                 
42
ونقل خبر هو أهون بكثير من نقل عرش ملكة من قصرها.
وفي عصرنا هذا قد توسع مجال استخدام الجن في العمل ألاستخباراتي  إذ تم توظيفهم في خدمة بعض رجال المال والحكم المسيطرون منهم على الاقتصاد والسياسة في العالم خدمة لمصالحهم ، على الرغم من علمهم إن عملية تسخير الجن محرمة بموجب نصوص كتاب الله ، لا بل أسسوا مدارس لتخريج كوادر متمرسة في ما يدعونه ( القدرات الشخصية أو الباراسيكولوجيا ).
إن عمليات تسخير الجن هي من ملك الله ، وقد حرمت على من يأتي بعد نبي الله سليمان عليه السلام بعد أن تم التعرف عليها وممارستها علنا ، ومن بعد ذلك جاء ذكرها في كتاب الله.
قال تعالى:{ قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ }  35 /38 سورة  ص.

إن أئمة الضلال والكهنة وشياطين الجن يُضلون الناس عندما يقدمون لهم أنباء الغيب بطريقة يخفون بها دلالة آثار الغيب على علم الغيب المجرد ، لكي لا يعلم الناس أن الغيب هو أنباء وعلم مجرد ، بخلط الأوراق ، ويستبدلون مفاتح الغيب المجرد بمفاتح النبأ ، الذي يكون منه العمل ألاستخباراتي الذي لا يأتي من المستقبل بنبأ إلا أن يكون ظنا ، فيكون هذا فخا قد تم إعداده للنيل من توحيد الله في صدور المؤمنين ، بزرع الشك وزعزعة اليقين ، وذلك عندما يظن الناس بهم شركاء لله في معرفة الغيب ، لأنهم يوهمون الناس بان الكهنة يعلمون
الغيب مثلما يعلمه الله ، وان ليس الله وحده من يعلم الغيب ، فعملهم هذا سعي خفي إلى تكذيب الله وكتاب الله ورسل الله وأنبياءه وكل المؤمنين ، وما هذا إلا من أهداف الحرب المعلنة على الله وكل المؤمنين وما يملكون من أسباب القوة.
43
لقد وصل الأمر بالجن أن صدقوا كذبتهم بأنفسهم بعد أن طال بها العهد ، وبما كذب بعضهم على بعض ، وإن كانوا على بينة من الأمر ، فأذلهم الله برهة هي ما بين معلومة الغيب ونبأ الغيب في حادثة موت نبي الله سليمان عليه السلام.
قال تعالى :{ فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ }  14 /34 سورة سبأ
قال تعالى خبرا فيما قالت الجن :} وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللَّهِ شَطَطًا (4)
وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا (5){ 4-5/72 سورة الجن
 فان كان حقا عندهم علم الغيب لما لبثوا في العذاب إلى أن جاءتهم دابة الأرض بنبأ موت نبي الله سليمان عليه السلام ، وهو نبأ كانوا يحضرونه ولا يشهدون عملية وقوعه لانعدام رؤيتهم لملك الموت عليه السلام وهو يقبض الروح من الجسد ، فمعلومة الغيب كانت هي في مجلسهم لا بل هي أمام أعينهم ولكن لا يُبصرون ، فأين الغيب الذي يعلمون ؟ وما كان مثلهم إلا كمثل دابة الأرض في إيصال النبأ.

إن الكهنة جعلوا من النبأ مهنة لهم ، يحصلون به على رزقهم لوجود الطلب عليه ، وهكذا أمسى الكثير من العلماء بإرادتهم أو بغير إرادتهم من الذين لا يتجاوز أحدهم قاعة الدرس أو المختبر أو لجان البحث والتطوير ليكون عملهم في حدود المعلومة أو النموذج ، وفي هذا تطبيق لبرنامج الفصل بين كل من العلم والإنتاج والتسويق بتوزيع العمل على ثلاثة  فرق لا فريق واحد ، لضمان استمرارية تسخير كل العاملين بيد القليل من رجال المال والحكم ، باحتكارهم للإدارة الموحدة وبياناتها وخبراتها.
44
وقد لحق بأفواج هؤلاء المسخرين فوج القصاصين منذ القدم وهم المختصين في أخبار التاريخ ولا أقول في علم التاريخ ، ومن هؤلاء القصاصين لا من الرواة يخرج علينا أصحاب نظرية الحتمية التاريخية وهم جميعا لا يملكون من علم التاريخ والحتمية التاريخية إلا أخبار هم لها يسطرون ، فان كانوا صادقين في امتلاكهم لعلم مجرد فيما يختصون فيه لأعلنوا عن امتلاكهم قوانين وحسابات نستنتج بها أحداث التاريخ على دقة تفاصيلها بدلا من ملئ ذاكرة الناس بنصوص تختلف فيما بينها ، فاختلف الناس فيما كانوا يسطرون ، ولا يمتلك أي نص منها قانون مجرد وحسابات تثبت صحته وصحة كل نص صادق من بين النصوص المختلفة.
فالعلم الذي لا يمتلك قوانين وحسابات تكون برهانا على الأنباء التي يأتينا بها لا يحق لنا أن ندعوه علما ، فالصحيح أن نقول التاريخ فحسب أو أخبار التأريخ وأنباءه لا أن نقول علم التاريخ.
سؤال هنا يفرض نفسه ؛ هل يوجد علم يُدعى علم التأريخ ؟
أقول : نعم ، وليس لعلم التأريخ  إلا عالم واحد ، لا يخفى عليه شيء ، عالم الغيب والشهادة ، هو الله الواحد الأحد ، ومما يؤسف له إن الله عندما يخبر المخلوق بما سوف يعمله المخلوق بموجب علم الغيب واستنتاجات علم التاريخ نجد إن المخلوق يقول هذا ما كتب الله علي بقدره ، كمثل من ترك ثروته على طريق الناس ثم قال هذا ما كتب الله علي بعد فقدانها ، وإن كتب الله أمرا في كتابه أن اتركوا ثرواتكم على طريق الناس لكان هذا الرجل أول عاص لله في هذا الأمر ، وفي هذا خلط للأوراق بين الاستنتاج والقدر.

إن العلم الذي لا نملكه لا نملك الوصول إلى استنتاجاته ، بالبرهان العلمي ، وكلاهما من الغيب ولكن تبقى نتائج حساباته تدعى ؛ استنتاجات ، فلا ينبغي
45
لأحد أن يدعوها ؛ قدراً ، لان الاستنتاجات هي طرق احتمالية أما القدر فانه ليس احتماليا.
أن خلطهم بين الاستنتاج والقدر ليس عن جهل وإنما هو بقصد إضلال الناس وصرفهم عن دين الله ، وفي هذا الباب تجد لهم أعمال وتصرفات تناقض ما يدعون ، لست هنا بصدد كشف هذه التناقضات التي يقعون بها ، ولكن أدعوا الناس إلى الحذر من الانجرار وراء هذه الشبهات
46   
قراءات في أرض المختبر
3
هدى الله حبلا عاصما
على أرض المختبر وبداية لكل حركة يتعين اختيار الوجهة والاتجاه بموجب علم أو عقيدة أو ظن عند امتلاك الإرادة ، وهذه إحدى مبررات قولنا ...
إلى من يسلم الإنسان أمره ؟
فليس هذا السؤال من باب الترف الفكري ، كما إن جواب هذا السؤال ليس بالأمر الهين ، إن جواب هذا السؤال يرسم لنا مسار حركة كل إنسان ووجهته ، فما من مخلوق إلا وهو يتحرك ، فهل يتحرك على غير هدى وعلى غير علم بوجهته وسواء عليه المصير ؟
وهل يرسم لي مسار حركتي وهدفها مخلوق مثلي هو بحاجة أيضا إلى من يرسم له مسار حركته وما يؤول إليه ، وهل هذا المسار هو سبيل الحق أم سبيل الباطل ، صراط الرشاد أم طريق الضلال ، ومن هو الذي يملك حق رسم الأهداف والمسارات للفرد والمجتمع ويمتلك أيضا حق محاسبة المخالفين ؟
ولا نجد لنا جوابا خير من قولنا:
قال تعالى: { قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلًا } 84/17 سورة الإسراء
قال تعالى:{ ... وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ }  101 /3 سورة آل عمران 
قال تعالى :{ ... وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ } 50 /28 سورة القصص
47
قال تعالى:{ وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ } 6 /34 سورة سبأ  
قال تعالى:{ ... اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ } 35 /10 سورة يونس
فلا غنى لمخلوق عن الهدى،  وما الهدى إلا هدى رب العرش العظيم ، ولذلك في هبوطهم إلى الأرض
قال تعالى :{ قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى } 123/20 سورة طه
قال تعالى: { وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ... } 103/3 سورة آل عمران
فكان هذا وعدا من الله لهما جميعا في هبوطهم إلى الأرض . انه العهد انه الميثاق انه حبل من الله لمن لا تكون عصمته إلا بالله ، وهو حبل وحيد ويجب أن يكون وحيدا ليجمع كل من يأخذ به من العالمين في جماعة واحدة ، انه ميثاق الجماعة.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:( كتاب الله هو حبل الله الممدود من السماء إلى الأرض ) ذكره الإمام الحافظ أبو جعفر الطبري
كان هذا الخطاب إلى كل الإنس والجن ، لم يخص به امة دون امة ولا شعب دون شعب ولا قبيلة دون قبيلة ولا فرد دون فرد ، ومبررات هذا الخطاب حفظ من الضلال والشقاء لمن يسعى إليه ، وهذا عز الطلب
قال تعالى :{ وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى } 39 /53 سورة النجم 
لقد ضرب الله مثلا للعصمة يمكننا القياس عليه في التطبيقات العملية ؛ انه قصة نوح عليه السلام مع ابنه وأجد فيها إن الإنسان النبي الأب لا يكون عاصما بديلا عن حبل الله المتين الذي خصصه الله تبارك وتعالى للعصمة بموجب نص الكتاب
48
، لأنه لا عاصم  من أمر الله إلا ما كان بأمر الله أن يكون عاصما ورحمة ، يختاره الله أن يكون عاصما من بين الاختيارات المحتملة للخلاص من الضلال أو الشقاء.
قال تعالى:{ يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ } 33/40 سورة غافر
49

    الأفق الأول من التاريخ بآية


ألا تكفي آية واحدة في كتاب الله توجز الأفق الأول من تاريخ وحياة الناس على الأرض وذلك عندما
قال تعالى :{ وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً ... } 19 /10 سورة يونس
نعم ، انه اقصر سرد لتاريخ المجتمع ، إنهم كانوا على الفطرة ، فعندما لا يجعل الناس فيما بينهم ما يختلفون عليه مما أتاهم الله من فضله يبقى الناس على ما كانوا عليه أمة واحدة ، فوحدة الناس هي الأصل وهي البداية ، هكذا خلقهم الله.
فليذكر هذا من أحب الذكر من العلماء في علم الاجتماع.
مجتمع يتعامل أفراده بينهم بموجب فطرتهم التي فطرهم الله عليها ، إنهم كانوا يجمعون على أحكام الفطرة ، فهم جماعة ، والفطرة هي إمام أئمة الجماعة ، فهم أمة ، وتعرف الأمة بإمامها ، فهم أمة الفطرة.
إن الأفق الأول من تاريخ وحياة الناس إنتهى بظهور الاختلاف ، والاختلاف يوجب القضاء 
قال تعالى :{ وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ }  19 /10 سورة يونس
كما إن الخلافة في الأداء يتبعها الخلافة في القضاء
إن أول أحكام الفطرة بعد معرفة الله يقر على ما أجد ؛ إن كل عمل وافق فطرة المخلوق هو فعل أو كسب كان له في ميزان حسناته وإلا كان مما يخالفها فهو افتعال أو اكتساب أو بدعة فيكون عليه وزرا ، وبالفطرة يمكن التمييز بين العمل الذي تدعو له الفطرة وما لا تدعو إليه أو كان مخلفا لها.
50
قال تعالى : ( لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ ... ) 286/2 سورة البقرة
وعندما يختلف الناس فيما بينهم فقد سجلوا إعراضاً عن الفطرة ، نعم وعلى أحكامها أول ما يختلفون ، إن أحكام الفطرة أعرافاً ، فالاختلاف يصيب الأعراف أولاً وأخيراً ، إن الاختلاف هو خروج على الفطرة وأحكامها ، إنه خروج على الأعراف بدرجة أو أخرى.
51

الأعراف هي أحكام الفطرة

إن لكل نظام عبارات أولية هي أحكامه الأولية التي تُأخذ بدون برهان , ويُقال لها أعرافا أو مُسلمات بديهية ، فالأعراف هي الأحكام الأولية في النظام التشريعي والأخلاقي          
إن الأحكام الأولية في كل نظام تدل على من أنشأ النظام ، لأنها تسبق النظام وجودا ، فلا تجد برهان على صحتها أو خطئها في داخل النظام ، ولا ينالها داخل النظام إلا الإقرار بوجودها ، إنها نصوص تُقرأ بما يقوم عليه تفسير التحرك والتفاعل السوي والمتزن للأشياء ، فهي تسبق التفسير.

إن فطرة المخلوق هي قدره التصميمي قبل أن يقال له كن ، قدره السابق لخلقه ، قدره قبل الانشاء والمولد أو الزمن الخاص به ، فالمخلوق بفطرته حكما أوليا لا يناله في نظام الكون إلا الإقرار بوجوده.
قال تعالى خبرا هو قول سيدنا ابراهيم عليه السلام : }... إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (78) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (79) { 78-79/6 سورة الانعام.                

وما الفطرة إلا التعبير عن صفات وخصائص الإنسان التي يقوم عليها البناء التصميمي للإنسان والتي تتجلى في بنائه الداخلي وعلاقاته مع غيره ، مثلها كمثل صفات وخصائص الأشياء والمواد الأخرى في الكون ، التي تتجلى في بناءها الداخلي وعلاقات كل منها مع غيره في الكون ، ففطرة المخلوق هي قدره فحسب ، قدره التصميمي ، إنها من الثوابت ، فالإنسان إن كان من الشرق أو
52

الغرب ومنذ أبينا وسيدنا آدم عليه السلام إلى آخر مولود يولد على الأرض الشيء الثابت فيه هو الفطرة التي فطره الله عليها ، ولا تبديل لخلق الله ،  تأمل هذا القول بعناية ، لتبتعد عن التضليل.
قال تعالى:{ وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ } 19/10 سورة يونس
قال تعالى:{ قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ... } 10/14 سورة إبراهيم
إنما الاختلاف مع الفطرة
عندما يختلف الناس فيما بينهم فيما أتاهم الله من فضله ويسعى كل فرد إلى فرض الاحتكام إلى نماذج موضوعة من المثل أو المعيار أو السلوك أو القانون مما يخدم به مصالحه وذلك عندما كان ميزان العقل لا تتوفر بجانبه نماذج لنصوص معلنة متفق عليها في التشريع والأخلاق وذلك قبل إرسال رسالة الله والرسل , إن أكثر الناس عندما ينتشر الاختلاف يكيلون بمكيالين أو أكثر ليكونوا من المطففين وأولئك هم الخارجون على العدل والعدالة وهي أكثر أحكام الفطرة وضوحا ، وفي هذه البيئة يظهر أصحاب البينة وأتباع ما تشابه من القول حتى فيما لا يحتمل التشابه مثلما ظهروا فيما بعد التنزيل كأصحاب البقرة ، في هذه المرحلة من حياة أمة الفطرة كانت الناس قد بلغت الدرجة الأولية للاختلاف طالما لم يصدر تشريع بعد وينصب قاض ويصدر حكم ويتم الإقرار بالاختلاف والمختلفين قضائيا ويصدر الحكم فيما كانوا فيه يختلفون.   
الكتاب هاديا يسبق التجربة
في هذه المرحلة إذن نجد أعلى درجات الحاجة الاجتماعية وأولها إلى أن يبعث الله الهدى الذي وعدهم به عندما أمر بهبوطهم من السماء إلى الأرض ، كانت
53

حاجتهم بمثابة الطلب وفاتحة للكتاب بلسان حالهم وحال من يأتي من بعدهم على ما أجد (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ) إنها شكوى إلى الله من التضليل ، الذي لا يكاد فيه أن يرى الصراط المستقيم من يسال عن مواقع المسير، ليتصدى هدى الله في أول نزوله لأعنف محاولات تفتيت وحدة البناء الاجتماعي التي تسفر لا محالة إلى إنشاء كيانات اجتماعية جديدة مختلفة ، إنها أول تجربة للناس على الأرض وكانت تجربة مؤلمة ، فلابد من المحافظة على الكيان الاجتماعي الأول الأصيل ، وهو أمة الفطرة ، ودعمه على أسس ثابتة ورصينة ، كما إن هذه المرحلة قد ازدادت فيها المسؤولية الأمنية في حفظ الأرواح والممتلكات والأعراض فبرزت الحاجة إلى النصرة والجوار ولم شمل الأسرة أو القبيلة والتمسك بحلم الحياة الاجتماعية المطمئنة التي كانوا عليها.  

وبداية لكل من يجد الحاجة إلى إقامة صلة المخلوق بالخالق سبيلا للخلاص من الشقاء ، والعمل بموجب هذه الصلة عند كل أمر ، ولكي لا يعود أي من الإنس والجن إلى الشك أو التردد في تسليم أمره إلى بشير ونذير قول الله ، ولكي لا يتكرر الخطأ الذي كان في واقعة الشجرة التي أكل منها سيدنا آدم عليه السلام ، فانه قد أنزل إليهم الكتاب يبدأ بقول لا يدعيه مخلوق وهو أول شرط في الإيمان ، ليقطع حيرة الحيارى قبل كل قول عندما                                                                                           قال تعالى :{ ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ ... } 2 /2 سورة البقرة
إنها كلمة سواء كرها أو طوعا لكل مخلوق ، الأيمان بها يوجب الإيمان بما بعدها وإلا فلا ، إنها الفيصل ، إنه إقرار بان كل ما كتب في هذا الكتاب هو في درجة اليقين الثابت ، من الخالق والمخلوق ، لا يوجد شك في كل ما كتب في هذا الكتاب لان ما كتب فيه هو من الثوابت لا من المتغيرات ، بدرجة القوانين الكونية ، بينما لا يقرأ احدنا كتاب علم يؤلفه عالم من الإنس إلا وتجد فيه خليطا
54

من القول بعضها من القوانين الثوابت وبعضها من النظريات وبعضها تعريفات ومفاهيم اتفق أو اختلف عليها العلماء المختصين ، فكل كتاب يؤلفه المخلوق لا يكون خاليا من الشك والتردد فيما يُكتب فيه , طالما كان طلب العلم قائما , فليس قول الله في هذه الآية الكريمة وفي كل الهدى الذي انزله على رسله وأنبياءه إلى كل العالمين من الأولين والآخرين قولا مرحليا تنتهي صلاحيته بانتهاء المرحلة           

إنما الهدى المُنزل من السماء هو تشريع ، والتشريع هو مجمع العلوم ، فكيف يتمكن أن يعمل وان يحكم به كل من الأمي وغير الأمي أو العالم والأقل علما عندما ينزل بلسان واحد يخاطب الجميع مباشرة ، وان يكون سببا لتطبيب القلوب والأنفس ، ودافعا إلى كل علم أو خير ونذير مبين من الضلال والشقاء والألم وتطمئن به على وجهتك عندما ترى دلائل على كل أفق من أفاق المسير للفرد أو المجتمع تتوالى أمام ناظريك ، لتكن مطمئنا وأكثر بعدا بقلبك ونفسك عن كل ريب.
قال تعالى:{ سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ... }  53 /41 سورة فصلت
فسيرى الذين لم يؤمنوا بعد ويرصدوا قبل غيرهم وقوع وعد الله ووعيده وأنباءه وثبات قوله ومثله ومعياره في كل أفق من الزمان والمكان من أفاق العلم والتاريخ والأنفس.
فلا غنى لكتابٍ عن تحديث معلوماته أو بياناته إلا كتاب الدين والعقيدة والتشريع ، إنه كتاب رب العالمين.
فمن يتبع غير كتاب الله تجده يُضطر إلى تحديث كتبه في العقيدة والتشريع بعد كل حين.
55

قال تعالى :{ فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا ﴿٥﴾ عُذْرًا أَوْ نُذْرًا ﴿٦﴾ إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ ﴿٧﴾}   5ـ7/77 سورة المرسلات
إنها فرصة ومن الحكمة اغتنامها فان ذهبت لا تعود ولا ينفع من بعدها الندم.
قال تعالى :{ وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا }  27/25 سورة الفرقان.
إنه عهد وعدتكم به في هبوطكم إلى الأرض ، وطلبتموه فيما بعد ، كتاب تحمله رسل الله جميعا إليكم ليكتمل بين أيديكم كما يكتمل البناء ، بناءا تشريعيا وحيدا متكاملا ، هو عصمة من الشقاء وحبل يجمع ويأخذ بكل من يسعى إلى الجنة ، فالحمد لله الذي آتانا هداه الذي وعدنا فيما انزل على الأنبياء والمرسلين إلى  الإنس والجن أجمعين انه لا يخلف الميعاد.

التصدي للخلافات
إن واقعة الاختلافات الأولية التي كان أول ظهورها بين الناس في أمة الفطرة بحاجة إلى قراءة هادئة ، فأستعين بالله وأقول :
من المُسَلَم به وهو من الأعراف أن لا يكون الحاكم هو أحد طرفي النزاع ، فمن يحكم بين الناس إذا اختلف الناس بينهم جميعا ؟
إذا اختلفت الخلائق فالحكم للخالق ، وفي هذا
قال تعالى :{ ... إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ... } 3/39 سورة الزمر
إن العدل يزرع حبه في قلوب من يريده ، والالتزام بالعدل يزرع حبا لله ولدين الله وتفضيلا لفضله على ما سواه.
56
هنا يبدأ تفعيل النص التشريعي والقضائي والتكليف والجزاء ، انه أفق جديد ، أفق التنزيل ، يجري فيه إعلان النص التشريعي ، والعلم به يشكل برنامج في الجهاز المناعي للأفراد أو المجتمع ضد المعصية والآثام ، إنه توثيق لنصوص العمل في حدود الفطرة.
قال تعالى:{ كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ } 213/2 سورة البقرة
وعليه يبقى الناس امة واحدة وان اختلفوا بينهم اختلافا أوليا ، في حدود الفطرة ، ولكن عندما بدأ  تنزيل الهدى أو التشريع بدأ ظهور الاختلاف التشريعي بين العلماء وهم من بين الذين انزل إليهم ، وحدث ذلك عندما جعل بعض العلماء شريعة الله تتسع شيئا فشيئا لكل قول من أقوال المختلفين ، فعادوا بالناس إلى بداية الاختلاف , ولكن قد تحول الاختلاف الأولي إلى اختلاف تشريعي عندما قام على نصوص لعلماء في التشريع , ترهق الناس بطلب المزيد من البينة ، فبرز للناس أئمة للضلال إلى جانب أئمة الهدى وكلاهما تحت سقف واحد ، يزرعون في الكتاب بذور الاختلاف يحملون الكتاب ما ليس فيه ، هنا قد ظهر الدجل والدجالين ، فيزداد أمرهم عظمة شيئا فشيئا وبالأخص عند ظهور الدجال في آخر الزمان ، إنها حرب بين الأمة ومن حولها من المنافقين ، وهذه هي الحال التي تبقى عليها العالمين كل العالمين من الأولين والآخرين إلى أن يرث الله الأرض وما عليها ، وهذا ابتلاء عظيم يقوم على الخلط بين الحق والباطل ، وبين أئمة الهدى وأئمة الضلال ، وبين المصلح والمفسد ، لذلك حذر الرسل والأنبياء ممن يفسق من العلماء ، أولئك الذين عملهم يخالف النص الصريح للكتاب ، ويخالف سيرة الانبياء والصالحين ، ويتخذون الكذب دينا ، إنهم
57
يحرفون دين الله في زمن كل رسول ومن بعده خدمة لمصالح الظالمين من الناس وبالأخص البعض من رجال المال والحكم ، إنها خدمة على أجر مادي أو معنوي فكانوا لذلك مخصصين ومختصين.
قال تعالى:{ فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا ... } 88/4 سورة النساء.                   
فهذه مؤاخذة من الله على المؤمنين لعدم اتخاذهم موقفا موحدا ضد المنافقين ، لقد إنفطر جسد المؤمنين بدرجة أو أخرى إلى فئتين ، ذلك بمن كان من المؤمنين ظهيرا للمنافقين ، وكان عليهم أن يكونوا فئة واحدة كالجسد الواحد وعلى كلمة سواء ضد المنافقين ، فحملوا أنفسهم  ما لا يحتمل غير قليل منهم ، وفي هذا أول وأخطر انقسام بين المؤمنين يأخذ بهم إلى التضليل.
فالمؤمنين باسهم الذي يخشاه عدوهم سيكون بينهم ، بين الفئتين ، لأنهم ارتضوا بذلك ، وعندها سيعمل عدوهم من المنافقين على قيادة الخلافات والحرب بينهم ، بين الفئتين ، لأنه فيهم ، ويمدها ويبقيها مشتعلة ، ويكون أداة تخدم مصالح أعداء المؤمنين من الخارج ، ثم يدعو كل من له حق من المؤمنين إلى أن يبادر إلى الصلح ووحدة الكلمة إذلالا له في مجلس ظلم من أجل أن يزعزع يقينهم بشريعتهم ، ولا يدعهم يجتمعون على إمام ، ولكنه لا يستطيع ذلك أثناء إمامة رسول الله عليه الصلاة والسلام والخلفاء الراشدين المهديين من بعده ، لأنها حدود من الله لا يقربها عدو الله.
قال تعالى :{ إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ } 99/16 سورة النحل
قال تعالى:{ ... وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ } 46/24 سورة النور  
إن الله يستمر في هدي المؤمنين , يبعث فيهم الرسل والأنبياء , يُنزل الكتاب ، يُربيهم ويُؤدبهم وشيئا فشيئا يُكمل لهم بناء النظام التشريعي والأخلاقي والعقيدة
58
على تسلسل ظهور حاجاتهم ، ليستبين لهم طريق الرشاد والتطبيق العملي للشريعة بسيرة رسل الله وأنبياءه ، فتظهر لهم السُبل التي يزل إليها بعضا من الناس عن طريق الرشاد ونصه الصريح ، وكيف يفترقوا عنه فرقا ، ثم يختم دينه الذي يرتضيه لكل العالمين ، ليكون هذا الدين هو شريعة الرضوان وهو حبل الله المتين الذي يعتصم به كل المؤمنين بالله من الضلال والشقاء ، وقد أمر كل الذين أنزلهم إلى الأرض بلا استثناء أن يعتصموا بحبل الله , إن حبل الله هو هدى الله وعدهم به وانزله عليهم إلى الأرض ليكون السبب الوحيد للعصمة من الضلال والشقاء , لقد كان سببا وحيدا ، ليقام عليه الإجماع والجماعة ، فيجب أن يكون وحيدا   
قال تعالى : { وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ... }  103/3 سورة آل عمران
قال تعالى: { ... وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ } 101/3 سورة آل عمران
لا يُؤتى الهدى إلا من يتبع الهدى ، ليكون من المُهتدين ، فهو ومن حمل الهدى لا يستويان مثلا.
قال تعالى :{ مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا ... }  5/62 سورة الجمعة
إنما الهُدى أمر ونهي , فلا يُؤمر ويُنهى إلا من إذا تُرك لوحده أو إلى نفسه لخرج عن الصراط المستقيم.
قال تعالى:{ ... وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ ... }  43/7 سورة الأعراف
59
ومن لا حاجة له للأمر والنهي لا حاجة له للهُدى وسواء عليه كل سبيل ، ومن لا يعقل نفسه في حدود الهُدى لا عقل له ، لأنه لا يخشى أن يضل أو أن يشقى ، وخشية الله هي الأولى لأنها التقوى.
قال تعالى : { ... وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ }  50/28 سورة القصص
فالعصمة معاهدة أو ميثاق للولاء أو الذمة لا يأتي بها إلا مُؤمن ،  يقوم عليها إجماع وجماعة أو مجتمع , وفي هذا :
قال تعالى :{ الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ }  27/2 سورة البقرة

إن العهد هو التزام بالوفاء بما أقر الملتزم به على نفسه بموجب تشريع أو وثيقة أو عقد ، وما العصمة إلا عهد للعمل بموجب المُنزل من هدى الله ، عهد بين رب العالمين والربانيين من عباد الله ، يقوم على الإيمان  فيعملون بموجبه وإن لم يصلوا بعد اليقين ؛ فلذلك كان هذا العهد عقيدة الربانيين . وما نصوص ذلك إلا ما انزل الله من كتاب والصحيح من سنة أنبياءه ورسله.

هنا يبدأ التشكيل التشريعي والقضائي للمجتمع في إعلان النصوص الأولى هذه
، إن وجود رسول لله يحمل شريعة ويمتلك القدرة على القضاء بها بين الناس ثم وجود من يتم تدريبه من المؤمنين على ذلك ، يوفر لكل المؤمنين وجود ولي أمر يتولى وحدة التشريع والقضاء معا ، وهذا هو الركن الأول من أركان بناء الجماعة التشريعية وكذلك مدينتهم فيما بعد ، ولا يُعد هذا الركن لوحده كافيا لبناء مدينتهم ، وتلك هي بذور الشجرة الطيبة التي يمكن غرس كل منها لتنبت
60

في أي مكان من سطح الأرض ، لبناء المدن ، والسنة في ذلك هو اعتناق غالبية الأفراد لكل مركز استيطاني لشريعة الله وقبولهم للقضاء بها وان يحكمهم بها من هو منهم ، على ما يأتي تفصيله فيما بعد. 
وأجد إن كلمة مدينة جاء بها دين الله منذ القدم لتدل على مجتمع تحكمه شريعة أو قانون لله وفيه قضاء وله إدارة وسياسة خاصة به وتقوده الغالبية فيهم ممن كانوا من المؤمنين والذين هم من أمة ألأنبياء والمرسلين ، وقد يصل المنقبون في الآثار إلى أن لهذه الكلمة أصلا في لسان أول مدينة على الأرض وأقدم المدن المعروفة تلك التي أشار لها نص القرآن ( الآية 246/2 سورة البقرة ) الكريم فيما يأتي بيانه بعد قليل ، أما الآن فيكفيك تتبع دلالتها في لسان التنزيل لكتاب رب العالمين القرآن الكريم.
61

الهدى

إن الهدى يدل على ثلاث يقوم عليها ؛ سيرة وصراط ومنهاج ، وتخصيصا ؛ سيرة نبي مُرسَل ، والصراط المستقيم ؛ هو العمل بما أمر الله به وتجنب معصيته ، والمنهاج ؛ هو بيان العوامل الفاعلة من العلم والدين معا التي يقوم عليها تفعيل التواصل بين الفرد والجماعة والعالمين وما في السموات والأرض بعيدا عن معصية الله فيما أمر لتيسير الخطى على مسار الحركة والعمل للفوز بالدارين بأعلى درجات الكفاءة والأمان ، إن في المنهاج نجد شمولية وابتعاد عن الانغلاق ، المنهاج بإيجاز هو تفعيل السنن الراشدة للإدارة والعمل في حدود التكليف أو المسؤولية   
وهذه الثلاث هي المثل الأعلى وهي عيار يزن عليه العقل اغلب الأمور ، في الخُلق والحُكم عند ظهور الاختلاف ، فلم يتعطل ميزان العقل إلى أن يتم اتفاق العالمين على نماذج للمثل لتكون فيما بعد هي العيار والمعنى والشريعة والأسوة الحسنة ، فكانت الأولوية والفضل للخالق على المخلوق ، بتنزيل المثل الأعلى ، وبالعقل يوزن ما لا يزنه ألقبان ، وهذه واحدة من وظائف العقل ، والأمثال تضرب للتقييم والحكم  مثلما تضرب وحدات القياس أو الوزن أو المعنى ، فلا تجد للميزان عملا بغير وجود ما نزن به ( عيار الشيء ) ، ولقد كان تنزيل الأمثال على الأفاق.
قال تعالى : { ... كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ } 3 /47 سورة محمد
قال تعالى: { ... وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ } 60 /16 سورة النحل
وهنا يقول المبطلون ( الأمثال تضرب ولا يقاس عليها ) محاولة منهم لتعطيل وظيفة المثل الأعلى ، وهو أطيب الكلم ، الذي تكفل الله به من بين جميع الأمثال
62

، يقولون ذلك ليتسنى لهم استبداله بالأمثال الموضوعة التي تتعرض للاجتثاث الدائم كالشجرة الخبيثة.
قال تعالى :{ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ } 60/16 سورة النحل
قال تعالى :} أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (24) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (25) وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ (26) يُثَبِّتُ اللَّهُ  الَّذِينَ آَمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ (27) { 24-27/14 سورة إبراهيم
إن خير الهدى هو ما حمله الرسل عليهم السلام وخير ما حملوه وجاءوا به هو رسالة رب العالمين.
إن الهُدى الذي يأتينا من الله والذي تكفل به لمن هبطوا إلى الأرض هو عملية تربوية تجري على تسلسل ظهور الحاجة إليه وعند بلوغ القدرة على إدراك أحكامه والعمل بها.

إن الاتجاه بالعلم وجهة ما نفتقر إليه ونعلمه باليقين خير لنا من وجهة المجهول الذي ليس لنا فيه دليل ، فالدليل يسبق الرحيل ، وان ما في أيدينا من العلم لا يمكن أن نتجه به الاتجاه الصحيح في استقبال ما بعده استقامة واختزالا للسير على علم إلا ببعض مما ليس في أيدينا من العلم ، تجنبا للتخبط على غير هدى ، فكانت الأولوية للعالِم بما يتفضل به من العلم والتوجيهات على قول من هو أقل علما ، لأنه خبير بما ليس في أيدينا من العلم ، وكانت الأولوية لقول العالم على قول طالب العلم في أعراف وآداب العلم والتعليم.
63

ولان الله هو العليم الخبير فوق كل ذي علم وخبرة كانت الأولوية للمنقول على المعقول.
إن تقديم المعقول على المنقول هو تقديم للجهل على العلم وهو من أساليب الحرب العقائدية ضد الله وكتبه ورسله وكل المؤمنين ، تقوم على استبدال المنقول الصحيح بالموضوع ، ولا تجد لهذا البديل قرارا  ، إنها حرب من الداخل يقوم بها الدخلاء والمنافقين ، حرب لإفساد النظام من الداخل.

إن العقل والنقل هما مفردتين تجدهما في منطق هؤلاء الدخلاء والمنافقين ، وهما لا يدلان على قول أو نص مما يريدون ، فمن هنا يجب أن يبدأ التصحيح ؛ فليس المعقول هو العقل وليس المنقول هو النقل.

وعندما كان ميزان العقل بحاجة إلى المثل الأعلى ليزن عليه اغلب الأمور كان عرضة للتوقف أو الاضطراب أو التشويش إلى حين اتفاق العالمين على نماذج  للمثل الأعلى وذلك عندما اختلف الناس فيما بينهم على أحكام الفطرة ولذلك كان بناء المثل الأعلى ليس أمرا من التكليف ، رحمة من الله بهم ، وبناء على ذلك كان المثل الأعلى حاضرا بين أيدي العالمين عند الحاجة إليه فيما جاء به رسل الله وأنبياءه ، لقد جاءوا بدين الفطرة ، ليتمكن العقل من أداء وظيفته الأولى ، فنجد هنا بوضوح أولوية المنقول على المعقول.

إن المعطلين لوظيفة المثل الأعلى يعلنون العجز عن تقليد رسل الله وأنبياءه ، وفي ذلك إنكار للقدوة والتقليد معا في حدود رسل الله وأنبياءه ،  ولكنهم يُعلنون عن القدوة والتقليد لغير من اختارهم الله فيدّعون تقليد من يختارون بأنفسهم ،
64

ويَدعون أنفسهم مُقلدين ، وليس بحاجة إلى إتباع أو تقليد كل من كان يملي عليه الهوى.
فأقول والله المستعان ؛ إن الله لا يُقر قدوة لا قدرة لمن يتأسى به على تقليده ، كما إن المثل الأعلى هو من خيارات مصمم النظام التشريعي والقانوني ، وقد اثبت الله في كتابه العزيز ما يُنكرون وجوده وهو التقليد المتقدم ذكرا بالفعل الماضي ( كان) على الأسوة الحسنة وفي خير القرون عندما أقر الله سنة التقليد التي أقامها وعمل بها صحابة رسول الله ولم يكتبها الله على مقتضى التشريع بصيغة الأمر  فكان هذا الإقرار فيه فسحة من الخيارات وتوسعة بالاستطاعة في حدود السنة النبوية ، وإكراما لعلم وآداب صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما :
قال تعالى :{ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا } 21 /33 سورة الأحزاب
قال تعالى : { لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ... } 286 /2 سورة البقرة 
كما إن العقل عقال ، للإسناد والرصد ، يمنع الانفلات ويبيح الدوران ، انه يدور بصاحبه على ارض المنافع والسلام ، ويمنع انفلاته إلى ارض الشقاء والضرر ، وفق أحكام العلم بالعاقبة ، وهذه هي الوظيفة الثانية للعقل.
إن المصادر اليقينية الأولى للعلم بالعاقبة لا تزيد عن مصدرين اثنين وهما التجربة والوحي.
إن التجربة والوحي هما قراءة واحدة لكتاب واحد ، فلا اختلاف بين قراءتيهما ، ولكن نبأ الوحي يسبق معلومة التجربة بفاصل زمني قد يمتد إلى آلاف السنين فلتجنب الضرر والشقاء ولنيل المنافع والسلام خلال الزمن الفاصل بينهما كانت
65

الحاجة إلى وجود الوحي والأخذ بما يقول ، ولهذا تُعطى الأولوية للمنقول على المعقول.
ومما يدعو للسخرية وجود مذهب يَدّعي العقلانية وهو يدعو إلى تعطيل الوظيفة الثانية للعقل عندما يأمر إلى عدم اتخاذ الوحي مصدرا من مصادر العلم بالعاقبة ، فلا يمنع أتباعه عن الشقاء والضرر الذي جاء في نذير قول الله ورسله وأنبياءه ولا يدور بهم على المنافع والسلام الذي جاء به بشير قول الله ورسله وأنبياءه ، وهذه سنة ولكن ليست من سنن أولي الألباب.
إن الحاجة هي دليل إلى ما ينفع المخلوق من العلم والعمل ، وهي حافز إلى طلبهما ، فكان الإنسان أكثر من غيره حاجة وفقرا.
66

قوة إلزام قضائي

لابد لكل نظام تشريعي من قوة إلزام قضائي لمنع الضرر الناتج عن الخروج والعصيان على مقتضيات التسليم لأوامر التشريع ، بتعبير آخر؛ لابد للتشريع من سلطة قضائية ، بدرجة أو أخرى ، إن قوة الإلزام القضائي تستمد مبرراتها من العرف الاجتماعي في إقراره لقوتي التعوذ والجوار اللتان نظمتا فيما بعد وفق مفهومي الولاء والبراء ، تلبية للحاجة إلى النصرة أو  الخذلان وكذلك من الحق في الحياة لكل كيان اجتماعي والدفاع عنه وحفظ نظامه ، فهو إذا حق استخدام القوه لحفظ وتمتين التعايش الاجتماعي بين الأفراد أو الكيانات الاجتماعية.

إن المخالفون لشريعة الله قد سبقوا المؤمنين على ما أجد في صنع قوة الإلزام القضائي لشرائعهم الوضعية ، فكان لبعض الرجال عصابة أو شيعة أو حزب ثم كان لهم جيش أو مملكة ، فهؤلاء الرجال  يقال لهم أمراء الحرب ، إنها تسميتهم ، وما كانت شرائعهم تقيم نظاما تشريعيا بل هي خليط من الأوامر التي تعبر عن ردود الفعل بدافع الهوى على ما هو قائم من أحكام الفطرة أو نظام تشريعي أو قانوني ، إنها تعبير عن الحكم بمنطق القوة وهوى النفس.

إن أمراء الحرب هم الوجود الاجتماعي المعبر عن النفس الأمارة بالسوء التي تحكم بشريعة الهوى ذات الوجود الفردي ، ويلعب أمراء الحرب دوراً من الهرج والمرج متناسباً مع ضعف الالتزام بأحكام شريعة الله والفطرة ، وتعاظم دورهما هو علامة من العلامات الصغرى للساعة.
67
فرض القتال على المؤمنين
لقد أصاب المؤمنين ما أصابهم على أيدي أمراء الحرب ، فتعلم المؤمنين من ذلك الحاجة إلى قوة الإلزام لشريعة الله ، إلى أمير للحرب يكون ملكا عليهم ، لحفظ كيانهم الاجتماعي وما يملكون ، ليكون هو ولي التنفيذ ألقسري للأمر القضائي ، لمنع الضرر وإقامة العدل ، وذلك عندما يكون هوى النفس لأمير الحرب تبعا لما جاء به رُسل رب العالمين ، إنه إحتمال وارد وفي ميدان العمل به يفشل الكثير، لأنه إلزام في حدود المجتمع.
قال تعالى :{ أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ } 246 /2 سورة البقرة    فاستجاب لهم نبيهم بعد أن وافقوا على أن يصبح القبول بالحرب فرضا تشريعيا من الله عليهم بعد أن كان سنة من الأعراف ، وعليه يكون إعلان الحرب أو القتال حكما يتخذه القضاء وهو من اختصاصه ، وذلك بعد أن فرض القتال في هذه الآية الكريمة تشريعيا من الله عليهم وعلى من جاء بعدهم من المؤمنين والمسلمين إلى قيام الساعة وان كانوا قد تولوا إلا قليلا منهم ، ومن بعد ذلك
قال تعالى :{ إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ } 111 /9 سورة التوبة
68
 قال تعالى:{ لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ } 25/57 سورة الحديد.
فعنصر الحديد اقل عمراً من كوكب الأرض ومكوناتها ، ووجوده على الأرض كان بموجب غاية محددة ببيان الآية الكريمة هذه.
إن وجود أمير للحرب ( الملك ) في شريعة ترضي الله والمؤمنين هو وجود عسكري يلبي الحاجة إليه وهي تنفيذ أحكام القضاء ، فوجود ولي أمر يتولى تنفيذ أحكام القضاء يعتبر توفير للركن الثاني الذي يقوم عليه بناء المدينة للجماعة التشريعية ، وإثبات لوجودها التشريعي ، وإن تأخر قليلا ، فيكون للأمر القضائي قوة ملزمة تكفل حفظ وكذلك حقوق كل من الكيان الاجتماعي وأفراده داخليا وخارجيا على حد سواء.
إن ما يدعونا للتأمل بعناية إن ( .. الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا .. ) لم يختاروا نبيهم ملكا ولم يختار نبيهم أن يكون ملكا ، ولكنه وكما أرادوا كان قائدا ومرشدا لهم إلى ملك لهم ، كذلك فعل خاتم الأنبياء والمرسلين صلى الله عليه وسلم ، عندما اختار لنفسه أن يكون عبدا رسولا ، على أن يكون ملكا رسولا ، فكانت سنة نبوية تم فيها الفصل بين القضاء من جهة والسلطة القضائية ذات الطابع العسكري من جهة اخرى التي اتخذت بسبب ذلك صيغ وأشكال متعددة عبرت فيها الجماعة أو المجتمع عن حاجتها التي لا مفر منها لقوة الإلزام القضائي ، بتعبير آخر حاجتها إلى القصاص العادل ، فالشريعة دورها ينحصر في القضاء وينحصر دور الجماعة أو المجتمع في إقامة القصاص العادل تعبيرا عن درجة الاتزام بشريعته التي قام عليها.   
إن أنبياء الله ورسله عليهم السلام لم يقيموا دولا ، وما وجدت دولة إلا لتزول ، ولا تجد دليلا فيما قال الله ورسله جاء فيه التسميات ؛ الدولة الدينية أو دولة
69

الرسول أو الدولة التي أقامها الرسول في المدينة ، ويكفينا دليلا تسميتها مدينة الرسول فحسب ، ونحن نعلم كذلك بان رسول الله لا يخفى عليه وجود الدول وتنظيماتها.
 لقد تمنى ويتمنى أعداء المؤمنين أن لا يفرض القتال على المؤمنين ، فكان لهم في حربهم ضد المؤمنين بابا من أبواب التحريف ، يتزعمه عملاء لهم من بين الذين آمنوا لنزع السلاح والقوة من المدن ، لتكون ضعيفة هشة السيادة والبناء ، بما تحمل شعاراتهم من وجود التعارض بين الدين واستخدام السلاح.   
القتال لحفظ النفس لا لموتها
إن تأخر المؤمنين في طلب وإقامة قوة الإلزام القضائي إلى ما بعد قيام المخالفين لشريعة الله إلى إقامتها كان سببا لتعلم المؤمنين الحدود العادلة في استخدام هذه القوة ، فتعلموا انه لا إكراه في الدين مثلما تعلموا من قبل إن المخالفين لشريعة الله يخرجون من ذرية كل رجل وذلك عندما ضرب الله مثلا في ذلك نوح عليه السلام وذريته ، فذرية نوح كانوا هم الباقين ، وقد خرج كثير من ذريته مخالفا لشريعة الله ، وفي ذلك جوابا لنا وله على ما سأل ربه في كتاب الله العزيز.
قال تعالى:{ وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (26) إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا (27)} 26-27/ 71 سورة نوح
قال تعالى:{ وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ ﴿٧٥﴾ وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ ﴿٧٦﴾ وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ ﴿٧٧﴾} 75-77/37 سورة الصافات.

فسيدنا نوح عليه السلام هو أول من جاء بما يُدعى فكرة المدينة الفاضلة أو المدينة المثالية وسعى لها بما يجد عند الله ، وقد استجاب الله لهذا الدعاء ليكون
70

موعظة لا تتكرر مرة أخرى ، وقد حمل هذه الفكرة من بعده رجال الفكر أو الفلسفة.
 فاختلاف الناس فيما بينهم لا يعد سببا شرعيا للقضاء على حياتهم ، ولكن يفترض بهم الاتفاق على القصاص العادل وهو الحد الأدنى للإجماع التشريعي الذي يقوم عليه وجود كل مجتمع ، قصاصا يتعين على الفعل ويقع إلزاما على الفاعل أيا من يكون الفاعل ؛ راع كان أم من الرعية ، موال أم معاد ، غني كان أم فقير , محبوبا كان أم مكروه ، وهذا هو الباب الأول في السياسة الشرعية ، باب التعايش السلمي وحسن الجوار ، وهذا هو الأساس السليم الذي يقوم عليه البناء التشريعي والقضائي لكل مجتمع يتألف من جماعات مختلفة في العقيدة والتشريع والأخلاق ، ولهذا السبب أيضا لم يُكلف المؤمنين ببناء مدينة كل سكانها من المؤمنين فحسب ، وقد تم العمل بناء على هذه الأسس على المستوى الأسري والقبلي وفي البعض من المجتمعات أو الدول إعلاميا أو فعليا وبدرجة أو أخرى عبر آفاق التأريخ الإنساني.

فلم يُفرض القتال إلا لتجنب الضرر الذي يلحق بالناس على مستوى الأفراد أو الجماعات ، فالقتال هو من طرق التربية ورفع الضرر ليس إلا ، ولذلك كان الصلح مقدم على القتال على إن يكون في حدود إقامة التربية والعدل ، فليس القتال من طرق الانتقام أو الظلم ، ولا يكون القبول بالصلح على حساب الحق والعدل والتربية.
قال تعالى:} وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآَخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ (60) وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (61){  60-61/8 سورة الأنفال
71

فإعداد العدة للقتال يزرع الرهبة في قلب عدو الله وعدو المؤمنين ، رهبة تمنعه من الجريمة والاعتداء والظلم ، فبالرهبة تصفد المجرمين.
فالرهبة تقع في القلب ، وتؤدي إلى الفرار من المواجهة ، بينما الإجرام يقع على الأرض ، ويؤدي إلى القتل بغير حق ، ومن الذين امتلئ قلبهم رهبة من الله جعلتهم يفرون من معصية الله ويلوذون بطاعته كان منهم الراهب والراهبة قدوة لغيرهم من المؤمنين ، فلا ينبغي للغريب عن لسان التنزيل أن يبدل كلمة  بأخرى ، فيجعل من الرهبة جريمة ، وذلك لأنه يخاف المؤمنين ولا يخاف من الله ، إنه يرى المؤمنين بعين إجرامه ، فهو ضال مضل ، ويجعل من ذلك طريقة يحارب بها الله ودين الله.
أصبح المؤمنون جماعة تشرعيه
لقد اختار الناس للتشريع الذي يرتضوه احد حكمائهم ، ليكون هو فيهم ولي أمر التحكيم فيما يختلف فيه الناس ، فيتولى بذلك أمر التشريع وأمر القضاء معا ، وكانت الأولوية في خياراتهم لرسل الله وأنبياءه ، ذلك ما تفرضه عليهم الشريعة التي اختاروها وكانوا بها يؤمنون ، فكان للتشريع من يتولى أمره في الجماعة للقضاء والتحكيم.
قال تعالى:{ فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا } 65/4 سورة النساء          
قال تعالى:{ وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا ... }  29/18 سورة الكهف
  وقد يختارون هذا الحكيم نفسه أو حكيم آخر ليكون ولي أمر المجتمع أو الجماعة فيكون سيدهم ، وهو الذي يتولى مسؤولية إدارة شؤون ومصالح البلد أو البلدة ، فإن عمل بموجب شريعة الرضوان كان سيدهم هو الخليفة فيهم ، فان
72

اتسع عمله فناب عنه غيره فهو رئيسهم ، رأس هرم الإدارة ، تجد هذا عندما يمتلك المجتمع خياراته ، وكان أول الخلفاء في المدينة التشريعية هم رسل الله وأنبياءه ، وذلك لان الناس قد اختاروا سيداً لهم هو من اختاره الله لحمل رسالته إليهم ، ومن السنة النبوية وأحكام الفطرة أن كل جماعة أو مجتمع عليهم اختيار سيد من أنفسهم عليهم.
 إن وجود أكثر من مكون اجتماعي في موقع استيطاني تدعوهم أحكام الفطرة إلى اختيار قائداً لهم يتولى إدارة شؤونهم ومصالحهم ، فيكون سيدا عليهم ، مثلما دعت السنة الأفراد إلى ذلك ، فان كانوا على شريعة واحدة  كان لهم بذلك وجودا سياسيا ، وهكذا كان المهاجرون والانصار في المدينة المنورة ، إن وجود سيد لمجتمع فيه أكثر من مكون اجتماعي يوفر الركن الثالث الذي يكتمل بوجوده بناء المدينة التشريعية ، كما إن الانضمام السياسي لمكون اجتماعي آخر الى المدينة التشريعية عندما يكون هذا المكون مخالفا للمدينة التشريعية في التشريع والعقيدة والأخلاق ، كيهود يثرب ، يتطلب منه الموافقة بموجب ميثاق على القبول بالقصاص العادل وهو أدنى إجماع تشريعي بين المكونات الاجتماعية في المدينة التشريعية ، ولنا في ميثاق المدينة المنورة سنة تأخذ بنا إلى سبيل الرشاد.

ومن صلاحيات كل سيد لمجتمع توزيع مسؤولياته على عدد من الولاة في الولايات والبلديات والقرى لإدارتها ولتنفيذ التكليف بأمر المجتمع.
وإذا كان سيد المجتمع من الحكماء ، وعندما ولي أمر التحكيم ثبتت كفاءته ، فلا بأس به أن يتولى بنفسه مسؤولية أمير الحرب ، عندما يستدعي الأمر ذلك ، عملا بسيرة رسل الله وأنبياءه عليهم السلام ، ذلك إن بعضا من الأنبياء كان
73

سيدا لبني إسرائيل وكان أميرا للحرب عندما يتطلب الأمر ذلك ، فيكون خليفة وملكا في الآن معا.
ومن الأدلة على إن المجتمع يعمل بحكمة ؛ أن لا يُسلم المجتمع الرئاسة فيه إلا لأحد حكماءه ، ولكن عدم ضبط عملية التسليم أعطى الفرصة لأمراء الحرب لسرقة موقع مسؤولية رئاسة المجتمع ، وبذلك تكون خيارات أمراء الحرب فوق خيارات المجتمع في التشريع والقضاء ، فتفرض حالة عبودية المخلوق للمخلوق ، إن توسع وانتشار هذه الحالة ساعد على تحريف دلالة كلمة الملك التي تدل على أمير الحرب لتطلق على رئيس المجتمع ، فالملك أمسى لديهم هو رئيس المجتمع ، ليس واقع حال فحسب وإنما الدلالة هي التي يفرضون أيضا ، فهذين الاسمين من المترادفات من حيث الدلالة عندهم ، لا بل ذهبوا إلى أن تسمية رئيس الجماعة أو المجتمع هو من خيارات الله لا من خيارات المجتمع أو الجماعة ، وصولا إلى جعل الرؤساء آلهة ، فنقول لهم : والصراع أو المنافسة على موقع رئاسة المجتمع أفلا تبصرون؟ ، وقول رسول الله ( وكيف ما تكونوا يولى عليكم ) أم لا تسمعون ، إن لهم في هذا تأريخ وأقوال وحكايات متناقضة لا يقر بسلامتها عقل ولا منطق إنها أحلام يتلذذ في سماعها فاقد الحُلم.  

إن الأحكام التي يخرج بها القضاء وما تنفذه قوة الإلزام القضائي وما تفرضه السلطة وهي يد النظام الضاربة لحفظ النظام وفرضه كل ذلك هو من خيارات أولي الأمر لا من خيارات الشريعة التي يتبعونها وان حصل التطابق التام بين هذين الطرفين ، لذلك يبقى الحكم ؛ لا إكراه في الدين ، نافذ المفعول إلى يوم الدين ، وهذا يفترض وضع الضمانات لعدم خروج أولي الأمر في المجتمع كل على ما اتفق معه عليه ، وعلى أن يَتْبَع ذلك الشد من أزر كل منهم لأداء المهام
74

الموكلة إليه في حدود ذلك , هذه الضمانات تؤمن بقاء العقد ساري الفاعلية على أسس مشروعة ، وقد تحصل تغيرات وتجاوزات لتفرض واقع حال آخر ، فالسكوت عليها هو دلالة الرضا بتغيير نصوص العقد ضمنيا وبالحال الذي وصلوا إليه ، إن هذا الموقع هو ميدان قد يجري فيه الصراع الأعنف بين الفرد والمجتمع ، فيتم القضاء على المجتمع من الداخل عندما يقتل بعضه البعض الأخر ، بسبب توافق أفراد لا يشكلون جماعة ، فتحسبهم جميعا وقلوبهم شتى ، والتوافق قوة لها وجود فاعل في كل المجالات العلمية ، ويحسن استثمارها من كان داهية في المجتمع ، وعلى المؤمنين أن يحسبوا حسابات ذلك بعناية ، وفي هذا الموقع قد يعدل فيه فردٌ امة ، فتجد حينها إجماع وجماعة ، ولكن لا خير في مجتمعِ الفردُ فيه أكثر رجحانا من المجتمع وذلك فيما كان حقا للمجتمع.
75
    وحدة النظام الاجتماعي

قال تعالى:{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ... }  59/4 سورة النساء
إن الله قد ذكر في هذه الآية الكريمة ثلاثة مصادر جعل طاعتها فرض على كل فرد من الإنس والجن ، كانت ثلاثة مصادر لأن لكل مصدر منها خيارات تميزه وينفرد بها مشمولة بالطاعة ولكن في حدود ؛ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.  
وتكون طاعة الله في كتابه وطاعة الرسول في سنته وطاعة أولي الأمر في سننهم ، وتكون الأولوية لسنن الخلفاء الراشدين المهديين على سنن غيرهم من أولي الأمر.

فعلينا وعلى أولي الأمر أولا طاعة الله وطاعة الرسول معا وعلينا ثانيا طاعة أولي الأمر ، ولكن متى تكون طاعة أولي الأمر واجبة علينا ؟
إن أولي الأمر ؛ إذا كانوا منكم ، وإمارتهم بأمركم ، وأمرهم من أمركم ، وأمرهم نافذ فيكم كانوا بذلك أولي الأمر منكم حقا ، فتكون طاعتهم واجبة عليكم ، إن هذه الموجبات هي من دلالات اللفظ نفسه ( أولي الأمر منكم ) على ما أجد ، كما إن هذا اللفظ لوحده اقتطاعا هو نص على خيارات وصلاحيات كل جماعة أو مجتمع , على نحو عادل ، ذلك إن أولي الأمر هم أصحاب الأمر ، فهم الشركاء في الأمر كل فيما له وعليه ، فيكون أولي الأمر هم الراعي والرعية معا , والأمر هو منهم وعليهم ، إن هذا اللفظ لوحده اقتطاعا تعبير موجز لأحد أنظمة الحكم ، وهو
76

أقرب نظام حكم إلى جادة الصواب وضُرب لهذا أمثلة في كتاب الله منها نظام حكم الملكة بلقيس قبل أن تُسلم لله رب العالمين.
ولكن لماذا كان أولي الأمر إمارتهم بأمركم في قوله تعالى ( الأمر منكم ) ؟  
 ذلك لكي لا تكون الأمارة سببا لزرع الاختلاف والتنافر بين المُلك والملكوت ولكي يتزن النظام الداخلي لكل شيء من الذرة الى المجرة بما في ذلك كل جماعة أو مجتمع ، ولكي يحق الحق على الجميع بعدم الخروج على أولي الأمر ، والخير كل الخير في الصبر عليهم إذا ظهرت عليهم معصية الله ورسوله ، لأن في إلغاء الإمارة مفسدة عظيمة وابتعاد عن البديل المناسب وذلك عند لا تكون للمجتمع أو الجماعة قوة إلزام قادرة على تنفيذ قرار عزل ولي الأمر أو محاسبته في أي موقع كان من مواقع المسؤولية وخصوصا عندما يكون في موقع سيد المجتمع أو رئيسهم.  
قال تعالى:{ فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } 83/36 سورة يس
إن عدم الخروج على أولي الأمر يجنب المجتمع سلب حق الإمارة ( الأمر بتولي رئاسة المجتمع ) من المجتمع لتكون في ملعب طلاب الإمارة وصراعهم عليها والذي يأخذ فيما بعد من الكتل الاجتماعية كالشيع والفرق والمذاهب والأمم والقوميات والأحزاب وسيلة يتم تفعيلها للوصول إلى السلطة ، ولذلك جاء في الحديث الصحيح ( لا نولي أمرنا من سأله ).
إن سلب حق الإمارة من المجتمع يقطع على المجتمع استمراره في الحياة الطبيعية ويفرض عليه قضاء وحكم قضائي وقوة إلزام قضائي لم ينال أي منها من الولاء ما يمنحه سلطة شرعية في المجتمع.
 إن عدم الخروج على أولي الأمر يجنب المجتمعات إباحة العمالة السياسية وهدم الكيان الاجتماعي بذريعة الخلاص من رأس النظام ، ويجنب المجتمع كذلك
77

نشوء الخلايا السرطانية الملتهبة في جسم المجتمع التي تعمل وفق مبدأ أخذ الثأر للثائرين فلا تجد حينها التزاما بشروط القصاص الشرعي ويتم تعطيل القضاء.
إن مع الصبر في عدم الخروج على أولي الأمر نجد إن الله يبشرنا بما تكفل به على لسان نبيه ورسوله صلى الله عليه وسلم ( كيف ما تكونوا يولى عليكم ) ، وجعل لنا من أمرنا يسرا للوصول إلى تثبيت حق المجتمع عندما
قال تعالى:{... يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ ...} 185/2 سورة البقرة
وقال تعالى : { ... وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ } 194/ 2سورة البقرة

إن الأولوية في مسائل أولي الأمر تكون للأمر نفسه ، أم إن الأمر ورقة مختومة على بياض وكرسي حكم ولك الأمر سيدي ؟ كلا , إن الأمر هو برنامج الخلافة , انه صلاحيات القيادة ، وعقد معها على أن لا تخرج عن تنفيذ برنامج الخلافة وبنود السياسة الشرعية في المجتمع ، فيكون بذلك كل من الراعي والرعية في كل جماعة أو مجتمع هم أصحاب الأمر بل هم أولي الأمر جميعا ، إن أمر أولي الأمر ؛ هو كل ما لا تقوم أي جماعة أو مجتمع إلا به ،  وبه يعرف أولي الأمر.
إن ما يمتلكه المجتمع من عوامل القوة والضعف في صياغة وتنفيذ برنامج الخلافة يمتد تأثيرها إلى ما بعده من مسائل أولي الأمر.
واجد إن أول برنامج مكتوب للخلافة على الأرض كان رسالة الله إلى عباده المؤمنين ، ولن تجد برنامج مكتوب لعمل ولي الأمر قبله ، فهو أول وثائق خيارات أنظمة الحكم.
ومن بعد ذلك نأتي إلى المسألة الثانية من مسائل أولي الأمر , وأرجوا أن لا تثنيهم عن متابعة خيارات أمرهم ، وهي اختيار الخليفة الأكثر قدرة على الوفاء
78

بهذا العقد ، فأقول والله المستعان : إن مالك الشيء هو خليفة الله فيما يملك ، ولا يوجد دليل على أن المجتمع يكون مُلكا لأحد من العالمين ، فالدليل الشرعي إلى الخليفة والخلافة في جماعة أو مجتمع هو قوله تعالى ( أولي الأمر منكم ) وأحكامها , ولا يقوم الاختيار إلا على إجماع الغالبية لا الأكثرية في حدود كل مجتمع أو جماعة أو مركز استيطاني.
ولا يقوم إجماع إلا على تشريع , والإجماع على تشريع هو ميلاد أمة ، وما الإجماع إلا رحم يلد ولي أمره , والأمة بمشيئة الله تُمَّلك أمرها من تشاء وتنزعه عمن تشاء ، وإلا فهم فريق عمل ينشأ بموجب العقود الثنائية وأجدها عقود توافقية على أحسن تقدير ، وبذلك تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى.
إن اتزان وكفاءة ونجاح الشيء أو الفرد أو الجماعة أو المجتمع يتناسب مع درجة التسليم لشريعة رضوان الله.

فإن حدث الاختلاف بين سيد المجتمع مع الاغلية فيه ، وذلك على الأخذ بشريعة معينة ، وبالاخص فيما يتعلق بالقصاص العادل ، فإن ذلك ينذر بعواقب وخيمة ودمار لهذا المجتمع ، فإذا ما بدأت فعليا أحداث من ذلك ، ولم تكن في المجتمع قوة إلزام قادرة على عزل وتنحية سيد المجتمع من موقعه ، كان حقا على الأغلبية الاجتماعية الأستعانة بقوة خارجية هي مدينة تشريعية توافق تطلعاتهم في حدود الولاء والجوار لمساندتهم كقوة إلزام قضائي في التخلص من سيدهم الطاغية الى حين تمكنهم بأنفسهم أن يأخذوا بالعمل بموجب شريعة رب العالمين ، كما حدث ذلك في حروب الفتح الاسلامي التي ما كانت إلا لأطلاق حرية الشعوب للعمل بموجب شريعة الله لمن يختارها بنفسه.  

قال بعضهم : لقد كان رسل الله وأنبياءه عليهم السلام هم أولي الأمر فينا ، فنقول ؛ نعم ، ولكن لم يكن كلهم في موقع رئاسة المجتمع أو الخليفة فيه ، فالنبي يوسف عليه السلام كان ولي الأمر فيما جعله الملك عليه ، فلكل مجتمع خياراته والناس أحرار في الانتساب إلى أي مجتمع أو جماعة ، وما كان الدين دعوة لفرض سلطة بعض الناس على بعض إلا في حدود بيان حاجة كل مجتمع وكل نظام اجتماعي إلى خليفة لا في حدود الحاجة إلى فرد معين بذاته.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام ) , ولا خير في الانتساب إلى الجاهلية ، ولكن الجاهلية كانت لهم خيارات صنعت خيارهم في الأخلاق والتشريع والسلوك والمسؤولية , ونستنبط هنا إن مقياس
79

التفضيل والخير ثابت لا يتغير فيما بين الفطرة والإسلام والى ذلك يرجع التشابه في الخيارات بين أغلب الأفراد والمجتمعات الإنسانية.
وفي الممارسة العملية لمسائل أولي الأمر يكون لبعض الرجال من ولاة الأمر كلمات ومواقف تنحل عليها وتنعقد بعض مسائل أولي الأمر بحكمة وكفاءة ونجاح ، وذلك في فترة ممارستهم للمسؤولية ، لذلك قيل لهم أولي الحل والعقد , وهم خير ضمان لأجراء التغيرات السليمة والسلمية في المجتمع ، مهما كانت تلك المسائل عظيمة ، وهم أول من يُقصد للدعوة ، كذلك هم الأكثر أهلية للشورى والمقصودين في الاستنباط الشرعي ومحلا له من بعد رسل الله وأنبياءه عليهم السلام بموجب شريعة الرضوان في كتاب الله.
قال تعالى :{ وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا } 83/4 سورة النساء
80

الولاء هو المانح للسيادة

إن السيادة هي درجة الولاء ، وصاحب السيادة له أكبر عدد من الموالين ،  فالسيادة أمرٌ يُمنح بالولاء ، والولاء عقد لتفعيل أحكام سلطة ، فصاحب السيادة له سلطة فاعلة ، والسلطة هي تفعيل لقوة مؤثرة ، كقوة ؛ العلم أو العدالة ، ومن العلوم ؛ الادارة ، السياسة ، الحرب ، العمران ، ومن العدالة ؛ التشريع والقضاء ... ، والولاء يكون إما خياراً وإما عبودية ، والولاء ملزم للطاعة ، ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.

وفي بيان حدود السلطة : نجد في كتاب الله تطبيق عملي توضيحي عندما يرسم لنا حدود سلطة كل شيطان من الأنس أو الجن عندما
قال تعالى:{ إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ } 100/16 سورة النحل
فلا تخشى الشيطان إذا كان من الإنس أو الجن وليس له عليك سلطة إن تلتزم بشرط واحد ؛ أن لا تتولى الشيطان فتجعله شريكا لله في بعض من الأمر ، فعندما يأمرك الله بأمر في كتابه ثم تجد ان الشيطان يدلك على خيارات أو احتمالات أخرى في هذا الأمر نفسه فلا تجعلها بديلا لامر الله وما يرضي الله.

إن الشيطان هو كل من تجده مقيما على علم بإصراره وتعمده على الخروج ولو على أمر واحد من أوامر الله التي لها نص في كتاب الله ، إن هذا السلوك حيثما نجده نجد بابا من أبواب الخروج عن الصراط المستقيم والنزول إلى الهاوية وهي نار جهنم الحامية ، يخرج منها أكثر الناس ولكن ليسوا جميعا على علم
81

وإصرار وتعمد فهؤلاء ليسوا من الشياطين ولذلك تتغمدهم رحمة الله ومغفرته أو أن يقضي أحدهم في النار ما يُقضى ، وقد جاء في اللسان العربي وهو لسان التنزيل ؛ شطن عن أمر ربه بمعني خرج عن أمر ربه ، وبوجيز القول وأبلغه ؛ الشيطان داعية إلى الاختلاف.    
        
ولوعدنا إلى الآية 246/2 من سورة البقرة التي مرت بنا من قبل لوجدنا  إن إصدار قرار تنصيب وخلع وتسمية من يتولى مسؤولية التنفيذ ألقسري للأمر القضائي هو من اختصاص ولي أمر التحكيم لا من اختصاص رئيس المجتمع ، من اختصاص القضاء لا من اختصاص رئيس المجتمع في التنظيمات الإدارية المعاصرة ، لان هذا العنوان الوظيفي الذي وجد بني إسرائيل حاجتهم إليه قد تقدموا بطلبهم فيه إلى ولي أمر التحكيم ( القضاء والتشريع ) وذلك عندما ( قالوا لنبي لهم .. ).
إن ولي التنفيذ ألقسري للأمر القضائي عنوان وظيفي لحفظ وإقامة التشريع والكيان الاجتماعي لا لأقامه وحفظ خليفة أو رئيس بذاته.

إن السلطة تتعاظم برصيدها من الولاء الذي يمنحها السيادة حتى تصبح بقوة شعب بكامل عدده وإمكاناته , وتتصاغر بانسحاب الموالين لها عنها حتى تمسي بلا سيادة فتكون قوتها حينئذ لا تتجاوز إمكانيات فرد واحد فقط هو سيد وسلطته على نفسه ليس إلا ، ولكن كم من ظالم يلتف حوله الموالين له ويفرضون سيادته على غيرهم ، ولكن أين الحل ؟ ذلك ما ستجده عند معالجتنا لمسألة خزائن الأرض إن شاء الله.
82

إن تقييد عمل السلطة بالأمر القضائي يحفظ المجتمع وخياراته التشريعية والقضائية من طغيان المسئول في استخدام السلطة . تقييدا بالقصاص أو الإقصاء القضائي من الوظيفة قبل طغيان هذا الداء في المجتمع، وهذا برنامج عمل يكتبه ويتمسك به كل مجتمع بموجب تجاربه الخاصة في تطهير الأجهزة الإدارية ، إن درجة تفعيل هذا البرنامج تتناسب مع درجة التماسك الاجتماعي.

إن من يؤمن بجدية بواحد من ثلاثة هي :
1ـ التعايش السلمي بين المختلفين بالعقائد والديانات والشرائع أو بتعبير آخر التعايش السلمي بين الملل والنحل.  
2ـ حرية كل فرد أو جماعة في اعتناق أحد الأديان أو العقائد ، أو قوله تعالى :( لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ).
3ـ قوله تعالى: { ... إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ... } 3/39 سورة الزمر
وكان يؤمن كذلك بالقصاص العادل كحد أدنى لقيام جماعة أو مجتمع لضمان عدم طغيان الراعي أو الرعية أو الأديان أو الطوائف أو المذاهب أحدهما على الأخر ،
إن من يمتلك هذا الأيمان بجدية وصدق وأراد السعي إلى التطبيق الأمثل لهذه الأسس فلا أجد له بديلا عن منحه لولائه الشخصي فقط للتحكيم العادل بمهنية وكفاءة ، وأن لا يمنحه إلى الأفراد على غير ذلك ، امنح ولائك بالأخص إذا كان التحكيم ينطق بموجب حكم الله في كتابه العزيز ولو في حدود السياسة الشرعية بالمعنى الذي قد بينته لهذا المفهوم فيما سبق لي من القول ، على أن لا يكون هناك فصل للتشريع عن القضاء لان في ذلك يتم الاستحواذ على التشريع بضمه إلى المسؤولية الرئاسية في المجتمع ، فيفقد القضاء بذلك استقلاليته ، وبذلك يتم
83

إخضاع التشريع والمجتمع إلى السلطة الرئاسية ، ذات الحكم الفردي أو النيابي وفي الحكم النيابي تجري عمليات التلاعب والتزوير لفرض سياسات ومصالح رجال المال والحكم على مصلحة المجتمع في البلاد ، كما إن الفصل بين التشريع والقضاء هو طريقة ناجحة لفرض التشريع الوضعي وجعله البديل عن الشريعة الدينية ، إن ثبات النصوص الدينية لا يُمكنهم من التلاعب لإجراء تغيرات في التشريع بما يناسب مصالحهم ولذلك يُجند المغفلين والوصوليين من المجتمع بجعلهم أبواق الدعوة إلى الفصل بين الدين والسياسة.
قال تعالى:{ إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ } 44/5 سورة المائدة
قال تعالى:{ وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ } 47/5 سورة المائدة
قال تعالى:{ إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا } 105/4 سورة النساء 

ذلك إن القضاء لا يفرض نفسه على المتخاصمين ولكن المتخاصمون يفرضون على أنفسهم القضاء الذي يختارون ويستنجدون به فيحتكمون إليه ، أليس هذا من أحكام العرف ... ؟ ولذلك لم نجد في كتاب الله أو السنة الصحيحة أمر يطالب اليهود أو النصارى أو عبدة الحجارة ، أن يحتكموا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما شجر بينهم ، ولذلك أقام المسلمون في بلاد الأندلس للنصارى محاكمهم القضائية الخاصة بهم وكذلك لليهود محاكمهم القضائية الخاصة بهم.    
84

لقد بينا فيما سبق من القول إن الجماعة لا تقوم إلا على إجماع والإجماع لا يقوم إلا على تشريع والتشريع يفرض على الجماعة اختيار السلطة القضائية ثم اختيار رئيس هذه السلطة ليتولى رئاسة المجتمع أو الرجوع إليه في اختيار رئيس المجتمع وكل ذلك على الأرض إطلاقا لا تحديدا بحدود ، وقد تتخذ أكثر من مجموعة أو جماعة رئيسا واحد فقط فيقوم بهم مجتمع متعدد الجماعات والطوائف تأسيسا على مصالح مشتركة منها حفظ النفس والعرض والممتلكات والعقائد ، كما جرى ذلك في المدينة المنورة ، فالمجتمع يقوم على إجماع ، والإجماع هنا يقوم على وثيقة الوجود السياسي للمدينة وبنود القصاص الشرعي العادل التي يتولى مسؤوليتها القضاء ثم من يتولي تنفيذ الأمر القضائي في نظام المدينة.
المساومة على الولاء
إن من يؤت علوم التحكم وبالأخص منها التحكيم فقد أوتي خيرا كثيرا ، فالتحكيم هو من التحكم ، والتحكيم هو الحكمة كما فهمها السابقون الأولون على ما أجد ، والتحكم هوعلوم يسعى لها من يريد أن يكون إما حكيما وإما داهية ، وذلك في حدود العلوم الانسانية ، وخير التحكيم في أن يقام الوزن الحق ، بناءا على ما ضرب الله من المثل الأعلى ،  لتقام شريعة الرضوان بموجب كتابه الكريم ، ولا يساوم على الولاء إلا من يأكل أموال الناس بالباطل ولا يدفع عن الولاء هذا إلا ثمنا بخسا هو من أموال الذين باعوا ولائهم له ثم الذين أكرهوا على ذلك ، إن هؤلاء طواغيت الأرض التي لا تمنح لك الفرصة لتشهد جنة الأرض ونعيمها وخيراتها ، إنهم لا يدعون الأرض خالية من الظلم والاستغلال والاعتداء على الآخرين.
85

وللسيطرة على نقمة الشعوب جراء ما عانته من ويلات الحروب العالمية قام  مهندسي التشريع الوضعي بإنشاء القانون الدولي ومحكمة العدل الدولية ثم اضطر بعضهم من باب الأمانة العلمية إلى الاعتراف فيما بعد بان هذا الجهاز حقا لا يعمل إلا بقوة إلزام قضائي تنقصه ، لان الدول الأعضاء في الأمم المتحدة غير ملزم كل منها بتنفيذ قرارات محكمة العدل الدولية في الخلافات والنزاعات الدولية إلا في حدود الإلزام الأخلاقي , وهذا منطق يؤسس حاجتهم إلى ملك فوق غيره من الملوك ، ويكون هو قوة الإلزام لمحكمة العدل الدولية ، وما هذا إلا دوران على حلق.
فكانت لهم خيارات مطروحة ؛ إما القبول بسياسة الوفاق الدولي لفرض التنازلات على من كان له حق هم له كارهون ، وبطريقة التلويح بالعقوبات الدولية ، وإما بفرض أحد الأقطاب وهي الدول العظمى سيادته على كل العالم دولا وشعوبا ، وهذا ما يدعى بسياسة أو سيادة القطب الواحد ، التي يُمهد لها بمجلس الأمن وما يُدعى بحق الفيتو فيه.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( إن اخنع اسم عند الله عز وجل رجل تسمى بملك الأملاك ) وأرى من دلالة أوصافه انه أذل اسم حملته الخطيئة.

إن النظام الذي يسحق شعبه ويزج بهم في حروب تحقق له أطماعه وشهواته بسلب خيرات شعبه ثم الشعوب الأخرى ويسقيهم جميعا الذل والجوع والمرض لتوسيع سلطته على الأرض وشعوبها ، إن هذا النظام مثلما استعاذت منه الشعوب بالهيئات الدولية بعد الحرب العالمية الأولى والثانية وهذا ما رُسم لهم ، فان رجال المال المسيطرون على اقتصاديات العالم قد استعاذوا أيضا من الجلوس المباشر على كرسي الحكم المشئوم لهذا النظام ، استعاذوا من ذلك بدمى اللعبة الديمقراطية لتجلس عليه وجعلوهم كبش الفداء عن جرائمهم
86

المستمرة باستمرار برامجهم في الاستحواذ والاستعباد , فبقيت السلطة بيد أولئك البعض من رجال المال أنفسهم المسيطرون على اقتصاديات العالم ولكنها أمست سلطة مختفية عن الأنظار والأضواء والإعلام وجعلوا الظهور والأضواء والأعلام للحكام الذين ينتخبون في اللعبة الديمقراطية , لقد جعلوا الدولة شركة من شركاتهم وفوضوا إدارتها إلى موظفون يعملون عندهم , فجعلوا منهم رئيسا وحكومة وأحزابا ونوابا للشعب بلا سلطة فما هي إلا دمى تجلس على كراسي الحكم ، لقد صوت لانتخاب هؤلاء زملائهم العاملين في كل شركات أسيادهم من رجال المال المسيطرون على اقتصاديات العالم وهؤلاء الأسياد يديرون الدفاع والداخلية والمخابرات لا بل حتى المافيا بأيد من حديد فوق الجميع ، فمن اليسير تصفية رئيس الدولة إذا خرج عما اتفق معه عليه رجال المال المسيطرون على اقتصاديات العالم من قبل الأجهزة العسكرية الرسمية التي يديرها بنفسه ، كما جرى لرؤساء كثير من البلدان ، ومنهم جون كندي رئيس الولايات المتحدة الأمريكية.
ثم توسعوا على الأقرب فالأقرب اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا للحد من أسباب النقمة الشعبية والجماهيرية بعض الشيء ، ولكن ما تزال المشكلة قائمة ، وهي سرقة ثروات الشعوب وخياراتها ونشر الخلافات والصراعات والحروب والتأسيس لذلك بتفعيل نشاط الأمم والقوميات والدول والأحزاب والنقابات والجمعيات والديانات والفرق والمذاهب والعصابات والمليشيات والأحلاف العسكرية ، ومحاولة زرع القيادات العميلة فيها والخائنة لإتباعها ، وبذلك تنشأ في داخل كل منها شبكات التجسس والقنص وبهذه الطريقة يمتد نشاطهم على مستوى العالم ، وبذلك يتمكنون من إضعاف الثقة بكل القيادات ، ويقومون بمد هذه التنظيمات جميعا بأسباب الدعم والبقاء ، والإكثار منها حتى وان كان لبعضها شعارات وبرامج معادية لهم ، وذلك لامتصاص الماء الذي قد يجري بهم
87

من تحتهم ، فيقودون الموالي والمعادي لهم معا ، وتجري التصفيات بين الموالين والمعادين لهم من الداخل بما يحفظ لهم مصالحهم ، وقد يجري تفعيل أكثر من برنامج واحد في ميدان الأمن أو الدفاع ، ولكل برنامج أجهزته التنفيذية وعملائه وتقاريره وأبحاثه ، كما إن رجال المال والحكم في العالم ينتمون إلى أكثر من قيادة واحدة ، وقياداتهم على اتصال وتنسيق دائم بينها ، لتتقاسم مواقع النفوذ ولتتجنب الصدام فيما بينها ، كما إن عدم حسم المشكلات الدولية والإبقاء عليها معلقة يؤكد وجود برنامج مسيطر على الهيئات الدولية من جهة وعلى قيادات طرفي النزاع من جهة أخرى لجعل الوضع القائم ضرعا حلوبا يؤمن استمرار وجود المتضرر والمستفيد اقتصاديا ، إنها عملية سرقة لثروات الشعوب مع خلق أسباب الحروب طويلة الأمد في أكثر بقاع الأرض ، إنها أعلى درجات التطبيق لسياسة فرعون في شعبه وبلغوا بها ما لم يبلغه فرعون نفسه.
لقد كثرت الفرق ومشجعيها وأمست كل الأرض ملعبا لهم وعوائد هذا الملعب في جيوبهم.
لقد استطاع رجال المال والحكم أولئك المسيطرون منهم على اقتصاديات العالم من انتزاع الولاء والسيادة والسلطة لدمى اللعبة الديمقراطية من أفراد وشعوب العالم بما فيها شعوب بلدانهم بواسطة إنتاج السلعة العالية الجودة والمنخفضة الثمن لان هذه السلعة وبهذه المواصفات قد عطلت جميع المعامل والشركات المنافسة لهم في بلدانهم وكل دول العالم ، ولم تعد أساليب حماية الإنتاج المحلي في كثير من البلدان تتمكن من الصمود أمامها فجعلوا كل الأرض وشعوبها سوقا مفتوحة لمنتجاتهم وأمست خزائن الأرض وخاماتها في مأمن إلى حين استثمارهم لها ,  لأنه لا يتمكن من استثمارها غيرهم ، واضطرت شعوبهم وكل شعوب العالم أن تمدهم بالطاقات الفكرية والإبداعية من الموظفين والعمال والعسكريين بما يمكنهم من تحقيق برامجهم الاقتصادية والسياسية والاجتماعية
88

والعسكرية والاستخباراتيه للسيطرة على كل الأرض وشعوبها قاطبة ، فلا تجد شعوب الأرض بديلا لها عن فرص العمل التي يوفرها هؤلاء لهم.
والأدهى من ذلك والأمر سعيهم إلى فرض ما يضعون من المناهج والمقررات الدراسية  للمؤسسات التعليمية العلمية والدينية ولكل المراحل الدراسية لكل بلدان العالم وذلك بالضغط على هذا البلد أو ذاك عندما يطلب الاعتراف عالميا بالشهادات التي يمنحها لخريجين بلده ، لتوجيه العملية التربوية والعلمية في العالم وفق إستراتيجية تحقق لهم مصالحهم واستثماراتهم كما إنها تنطوي على سعي للتضليل المنهجي وخصوصا في علم الاقتصاد وعلم السياسة ، ولمصادرة العقائد قبل كل شيء.
وجعلوا أنفسهم أكثر أمانا للفرد على أمواله من نفسه ، فأودعوا الفرد أوراقا من البردي تدعى أوراقا نقدية بديلا له عما يملكه من العملة الصعبة , بعد إلغاء التعامل بالنقد المصنوع من العملة الصعبة ، والعملة الصعبة هي قيمة المجهود البشري وقد احتفظوا بها في أيديهم وجعلوا هناك فرق متجدد بين الأوراق النقدية والعملة الصعبة ليكون هذا الفرق مصدرا يدر عليهم أمولا مسروقة هي أكبر بكثير مما كانت تدره عملية نحت النقدين القديمين على المستفيدين منها ، وذلك بالتلاعب بأوزانها ، لقد كان  النقدين القديمين ؛ دينار من الذهب ودرهم من الفضة. 
كما أحلوا الربا الذي حرمه الله عندما أقاموا بيع وشراء النقد بالنقد على اختلاف جهة الإصدار لأوراقهم النقدية وكأنهم لا يعلمون إن مادة النقد ثابتة وهي الذهب لا عجينة أوراق البردي ولا المادة القانونية في إصدارها ، فالذي يجري فعليا هو ما لا يحل أخذ الربح أو الفائدة عنه لأنه بيع أو شراء للذهب بالذهب أو للفضة بالفضة ، لأنه تبادل للمثيل بالمثيل.
89

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلا بمثل ، ولا تشفعوا بعضها على بعض ، ولا تبيعوا الورق بالورق إلا مثلا بمثل ، ولا تشفعوا بعضها على بعض ، ولا تبيعوا غائبا بناجز ( البخاري 2177).
كما إن تصرف بعضهم أحيانا بغطاء العملة يجعل بعضا من أوراقهم النقدية لا غطاء لها أي لا رصيد لها إلا القرار السياسي ، كما حدث ذلك في فضيحة نيكسون Nixon shock  التي يمكنك البحث عنها والإطلاع عليها في الانترنيت ، فأصبح رصيد الدولار من العملة الصعبة صفرا إلى يومنا هذا ، وأدخلوا شعوب العالم في أزمات اقتصادية عالمية جراء ذلك كله ، وطلبوا من رجال الدين في العالم جميعا الفتوى بالدعم المادي بمساهمة المواطن للحد من الأزمة الاقتصادية العالمية , فتوى بجمع التبرعات الخيرية ، لسد عجز السرقة.
إن إيداع المجهود البشري لتحمله العملة الصعبة وجعلها هي النقد المتداول كان قرارا حكيما ، يجعل كل منا يحمل البدل النقدي لأتعابه بيده ، بعيدا عن محاولات التلاعب بقيمة ما يملك ، كما إن الحصول على العناصر الطبيعية للعملة الصعبة يكلف نفس المجهود البشري الذي تحمله في عمليتي العرض والطلب.
ليس من العدل أن أعطيك ذهبا لتعطيني ورقة مصنوعة من البردي الفرق بين ثمن الاثنين كبير جدا ، فان قلت إنها ورقة مضمونة الثمن ، أقول أتقبلها من ولي الأمر إن كان ضامنا لثمنها أولا ويضمن عدم التلاعب بقيمتها من العملة الصعبة محليا وعالميا.
لقد كان من أهم أسباب غزو ليبيا عام 2011 من قبل حلف الناتو هو إصدار القذافي للدينار الذهبي الليبي الذي صكه عام 2010 ليتم التعامل به لاستيراد وتصدير البضائع والنفط عوضا عن التعامل بالدولار هذا ما قاله برناند ليفني في كتابه قسم طبرق ، فالدينار الليبي كان معد فقط للتعامل الدولي للحكومة الليبية مع دول العالم ، كان هذا حلا لكل من يريد منع التلاعب الأجنبي بقدرات بلده
90

الاقتصادية وهذا يشكل تهديدا للتعامل الدولي بالدولار وتهديدا للمصالح الاقتصادية المعتمدة على الربا ، وطريقة حاسمة للتخلص من التضخم والتلاعب بأسعار العملات التي يقوم بها البنك الدولي الذي تملكه من خلف الكواليس الحكومة العالمية وعلى الأخص منها أسرة روتشيلد.
كما إن اعتماد العملة الصعبة في التعامل داخل البلد الواحد كذلك وعدم الخشية من عملية نحت النقدين ليس أمرا صعبا في الوضع الراهن طالما يمتلك المجتمع إمكانيات علمية وتكنولوجية تمكنه من توفير أجهزة إلكترونية صغيرة الحجم لقراءة وزن العملة الصعبة بدقة عالية.  

إن أول ظهور للنقد قد فتح الباب للمنتجين لزيادة كل من المجهود البشري والإنتاج بدرجات غير محدودة إلا بحدود كل من السوق أو الطلب أو التخزين بعد أن كانت عملية التبادل العيني تحد من ذلك ، لان النقد قام بحمل قيمة المجهود البشري ليكون بديلا عن قيمة هذا المجهود المودع في الإنتاج ، فجعل للمجهود البشري وجودا عينيا منفصلا عن المنتج ، كما انه قد مكن من استبدال مبدأ الاكتفاء الذاتي الذي كان يُحد من الإنتاج بمبدأ الادخار ثم الاكتناز غير المحدود  للأموال ثم ظهور الاستثمار ورأس المال مما جعل هذه الأموال عرضة لمحاولات السرقة وصولا إلى التلاعب بقيمتها باستمرار وهي في جيوب أصحابها عندما تم استبدالها بأوراق البردي التي تدعى الأوراق المالية فيسرقون من قيمتها وهي في جيوب أصحابها وجعلوا الذهب والفضة في جيوبهم لا في جيوب أصحابها كما قلت قبل قليل.

ذكرت لكم في سطور عمل ملوك الأرض ، وهم القليل من رجال المال والحكم أولئك المسيطرون منهم على اقتصاديات الكرة الأرضية وملفات الحرب في  آخر
91

الزمان ، وكانوا ملوك الخفاء ، وهم الذين يرسمون اللعبة الديمقراطية ويبشرون ويصدرون لها على إنها نظام حكم الشعب لنفسه إعلاميا ويدرسونها في جامعاتهم على إنها نظام حكم الطبقة الرأسمالية , فهي نظام الحكم الذي يفرض سيطرة ومصالح الطبقة الرأسمالية في المجتمع , والدولة هي أحدى شركاتهم ، يديرها موظفون مفوضون عنهم  ومنتخبون في حملاتهم الديمقراطية ، فهي نظام حكم طبقي لا نظام حكم جماهيري فلا يرعى مصالح كل مكونات الشعب ، لقد اختاروا العلو على الآخرين بنظرية المجتمع الطبقي.

إن ملوك الأرض هم أشد الذين تأخذهم العزة بالإثم ولا يتركون قوة لدين الله تفرض تغييرا على إرادتهم الملكية ، فينصرون وينشرون مفاهيم الشريك والمثيل والاستبدال والإلحاد تعويضا عما يريدون سلبه ؛ كسلب الإلوهية من الله والتشريع من كتبه والقضاء من رسله وأنبياءه ، واليهم يرجع على ما أجد تعدد الفكر الديني والعقائد ولا يوقف سعي أحدهم إلى تدمير نفسه وتدمير الكون على ما قدمت يداه إلا حبه في البقاء ، فهو عدو نفسه قبل كل شيء ، ويتخذ بيتا ربه الأنثى كالعنكبوت والضباع ، يقيمه على رفات الصالحين عملا بسنة التشبيه في الفكر الديني المنحرف , إن الملوك هم المثل الأعلى للظالمين , والشرك بالله ظلم عظيم ، وإن أعلى درجات الظلم تكون في منع مساجد الله إن يذكر فيها اسمه والسعي في خرابها ، وما منع الله نواد يعمروها ولم يأمر بخرابها.
قال تعالى :{ وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ } 96/2 سورة البقرة
قال تعالى:{ إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا } 117/4 سورة النساء                 
92

قال تعالى:{ مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ } 41/29 سورة العنكبوت
اتخذوا شبكات للتجسس والقنص في كل التنظيمات والمؤسسات الحكومية والمدنية والاجتماعية على مستوى العالم.
قال تعالى: { ... قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا }  21/18 سورة الكهف
أجد إن الذين غلبوا على أمرهم هم الذين غلبوا الناس على خياراتهم المشروعة وعلى ما كان لهم حق فيه ليفرضوا أنفسهم فيكونوا أولي الأمر عليهم.
قال تعالى:{ وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ } 13/31 سورة لقمان
قال تعالى:{ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ } 114/2 سورة البقرة
فهذا السلوك هو لأصحاب الدرك الأسفل من النار ، أسفل منازل النار وأظلمها بما يناسب ما حمل أصحابها من ظلم ، هذا ما علمنا به من قول الله في هذه الآية الكريمة من سورة البقرة التي يستفتينا فيها الله تبارك وتعالى إن كان لنا علم عمن هو أكثر ظلما من هذا الذي يعمل هذا العمل , سبحانك ربنا لا علم لنا إلا ما علمتنا انك أنت العليم الحكيم.
93
                                     
لم تتبدل قوانين الأرض والسماء
يوما ليتبدل دين الله كل يوم

إن فترة نزول رسالة الله إلى خلقه وفق أحكام التنزيل كانت اكبر بكثير من عمر وحياة أحد الرسل ، فتتابع الرسل على حملها عليهم السلام , وكانت فترة تربوية من رب العالمين وتشريعية من الحكم العدل وكذلك تعليمية وعقائدية من عالم الغيب والشهادة ، ميز لنا فيها الطقوس والمعتقدات الخاصة بدين الله عما في سواه ، بوجود نصوص لها في كتابه أولا وببيان رسل الله وسيرتهم التطبيقية عليهم السلام ثانيا ، ولإثبات وحدة المصدر يجري الإبلاغ باستمرار وبنصوص صريحة إن ما انزل على أحد الرسل إلا وهو مصدقا لما أنزل الله على من سبقه من إخوانه المرسلين ، فلا تجد إخفاء أو تكذيب بين النصوص المتوالية النزول ، كما إن سيرة كل رسول تجدها تصديق لما جاء به من ربه ، ولا أجد هذا فيمن جاء العالمين بعقيدة أو تشريع من عند غير الله ، لقد كان القول حقا إن الأنبياء إخوة ودينهم واحد.

لقد جاء رسل الله برسالة الله إلى كل خلقه ، وكانت تتنزل بمقدار كل حين من السماء الدنيا على كل من المرسلين عليهم السلام بعد إن أنزلت جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا في ليلة واحدة هي ليلة القدر ، رسالة الله هي أم الكتاب ، فكان يتنزل من السماء الدنيا منها صحفا حينا وكتبا أخرى أو عدد من الآيات أو السورة وكل كان بمقتضى أحكام التنزيل وعلى القوم الذين فيهم من له القدرة الفقهية فيها والعمل والدعوة بها إلى الله عند ميقات التنزيل. 
94

إن أحكام التشريع لم تتنزل من أم الكتاب الذي في السماء جملة واحدة إلى الأرض مثلها كمثل القوانين المختبرية التي لا نحصل عليها جملة واحدة أيضا ، فالتشريع مستمر ما لم ينتهي التنزيل ، لذلك تكون متابعة الرسالة والرسل عليهم السلام شرط من شروط الأيمان وطاعة واجبة لا تقف عند جزء من زمن التنزيل أو عند رسول من دون الرسل أو عند بعض مما أنزل الله دون بعض ، وبالتوقف عن متابعة الرسالة والرسُل تنمو أمراض السلوك والتعصب بكل أنواعه , فالتوقف عن متابعة الرسالة والرسُل هو تخلف علمي وتشريعي وبيئة وبائية في الآن معا ، إنها رسالة الخالق إلى كل خلقه فلا تجعلوا فيها ما ليس منها ، إن هذا التوقف يتعارض مع الدعوة المفتوحة لكل الشعوب والأفراد للدخول في دين الله ، كما انه يؤسس إلى التفريق بين الناس تفريقا ينال حتى من يدخل فيما بعد في هذه الجماعة الواقفة أو تلك ومن داخلها.
إن التفريق بين فصول رسالة الله الواحدة وجعلها أكثر من رسالة واحدة عمل لا يقره دليل في كتاب الله بل إن كتاب الله يدحضه ، وهو مؤامرة تستهدف وحدة المؤمنين لتمزيقهم فرقا ، لان رسالة الله هي حبل وحيد يجمع المؤمنين كافة ويأخذ بهم إلى الجنة.  
إن بعض الشريعة هو شريعة أيضا ، إذا كانت منهاجا اختاره الله وقد تم العمل بها في فترة من التنزيل تقتضي ذلك القدر من التشريع الذي قد وسع من انزل عليهم ، إن ما يسع المنزل عليهم من التشريع هو منهاجا لهم ، كالفترة التي أنزلت فيها التوراة أو الفترة التي أنزل فيها الإنجيل ،  وهذه خصوصية مشروعة طالما كان التنزيل في منهاج لا يغادر بعضا مما انزل في منهاج قبله أو بعده ، إن لكل منهج طريقة مناسبة لعرض المادة ، وكان كل منها منهاجا لأنه يمنع الانغلاق ،  ويقيم التواصل مع التنزيل المستمر والعلم والتجربة وكل العالمين.

95

قال تعالى: { ...  لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا ... }  48/5 سورة المائدة
قال تعالى:{ شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ }  13/42 سورة الشورى.
قال تعالى:{ ... أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ }  85/2 سورة البقرة

إن شريعة المؤمنين شريعة لكل من يأتي بعدهم من المؤمنين ، فشريعة من قبلنا من المؤمنين شريعة لنا طالما كان تنزيل الكتاب مصدق الذي بين يديه من الكتاب , لان كل كتاب تجد فيه ما كان في الكتب التي قبله ، وما الكتاب إلا أم الكتاب ، فلن تجد اختلافا فيما يتنزل من أم الكتاب ، من حيث المضمون ، لان كل حكم كتبه الله في أم الكتاب لن تجد له تبديلا ولن تجد له تحويلا لا قبل ولا بعد تنزيله ، وان كان بعضا من كل .
قال تعالى:{ ... فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا }  43/35 سورة فاطر
إن هذه الآية الكريمة تتعرض دائما لمحاولات الالتفاف لإثبات التبديل والتحول في سنة الله وقد ساء ما يبيتون.
قال تعالى:{ وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ } 46/5 سورة المائدة
96

قال تعالى:{ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ ... } 48/5 سورة المائدة
فالذي انزل على كل المرسلين هو شريعة واحدة ، وما انزل منها على احد المرسلين هو وأتباعه يدعى شريعة أيضا ، فالبعض والكل هنا يحمل نفس التسمية طالما وسع المنزل منها من أنزل عليهم
لم يدعي احد تبدل قوانين الأرض والسماء يوما فعلام يتهمون الله بتبدل دينه كل يوم ؟ فسبحان الله عما يفترون.
قال تعالى:{ شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ }  13/42 سورة الشورى
 إن عمل المؤمن هو تصديق الذي يؤمن به ، فقولهم نؤمن بما لا نعمل به وهو شريعة من قبلنا هو قول متناقض.
ويجب أن لا تخلط الأوراق ؛ فكلنا يعلم إن ما أنزل على عيسى وموسى عليهما السلام هو غير ما في أيدي الناس وما يفهموه من أثارهما. 
إن الفضل لله ورسالته على كل العالمين , فلا متفضل منا على الله ورسالته وحاشاهم من الغرور والتعصب أولئك الذين اختارهم الله لقراءة وتبليغ رسالته إنهم رسل الله وأنبياءه عليهم السلام , إن حبهم في الله قد وسع كل العالمين , فلا يحزنك قول كثير من إتباعهم , لقد كان موسى عليه السلام سببا لان تكون فرضية الصلاة خمس بدلا من خمسين صلاة في كل يوم وليلة عندما اسري بأخيه محمد صلى الله عليه وسلم إلى السماء تخفيفا على المؤمنين.
97

التطور لا يجري إلا بموجب شريعة الله

إن الكون بحركته وتجدد الحياة فيه إنما يتحرك بموجب شريعة وقوانين ثابتة تامة لا تتغير أبدا ما دامت السماوات والأرض ، وهو نظام تشريعي ينظم الحركة والتغيرات لكل شيء في الكون ، ولم يشرع هذا النظام للموجودات التي تتحرك بموجبه إلا بعد أن كتب الله لكل شيء صفاته وخصائصه ، ولم يشرع هذا النظام غير الله خالق السماوات والأرض.
لقد كانت دعوة تحريف تلك التي قالت بالتطور ، ذلك التطور الذي يدعي أصحابه إن قوانين الكون وأحكامه تتغير وكذلك شريعة الله ودينه يتغيران شيئا فشيئا عبر مراحل الزمن ، إن هذه الدعوة وبهذا المعنى الذي تحمله للتطور إنما هي دعوة واهية لا تقرها العلوم المادية ولا يقرها دين الله.
 إن الأطوار والتطور لا يجريان إلا بموجب قوانين ونظام تشريعي , فالحركة الداخلية لكل طور للانتقال إلى الطور اللاحق لا تجري إلا بقانون ثابت ، فالأطوار تتغير وتتبدل وتبقى القوانين المنظمة لها ثابتة ، وبهذا الفهم الذي تقره العلوم المادية ودين الله يتضح لنا إن دعوتهم هذه لا تعيش إلا وسط الجهل والظلام ، ذلك لأن لكل حركة ثوابت وما دين الله وشريعته والقوانين التي أودعها الله في كل خلقه ومخلوقاته إلا ثوابت الحركة الكونية ، فلن تجد لهذه الثوابت تبديلا ولن تجد لها تحويلا.
إن نسبية الحركة تدعوا علميا إلى اكتشاف ثوابت الكون أو ثوابت العالم المتغير على ما يصفون ، فدين الله وشريعته والقوانين التي أودعها الله في كل خلقه ومخلوقاته وكذلك خِلقة ( بكسر الخاء ) كل شيء وهي صفاته وخصائصه ( كالحديد والنحاس ) كل ذلك هو من ثوابت العالم الذي يقال له المتغير ، إنها
98

ثوابت الحركة الكونية , إنها لم ولن تتغير أبدا ، فمثلا على ذلك : لم تتغير صفات وخصائص الفضة منذ بدء الخليقة ، وهكذا هي كل عناصر الجدول الدوري للمادة في الطبيعة ، والثوابت تفرض نفسها على كل لسان أو مجموعة مرجعية.
قال تعالى: { ... فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا }  43/35 سورة فاطر
قال تعالى:{ قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى ﴿٤٩﴾ قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى ﴿٥٠﴾}  49ـ50/20 سورة طه
إن اكتشاف قانون من قوانين الكون لا يعني أبدا انه قد خُلق قانون جديد , لان الله هو الذي سن قوانين الكون كلها وقد أودع هذه القوانين في الكون منذ أن خلق السماوات والأرض ، ولقد مضت الملايين من السنين والكواكب في السماء تتحرك باتزان في المواقع المتوالية للحركة بموجب قوانين ثابتة لم تتبدل ولم تتحول ولم تكتشف هذه القوانين إلا قبل سنوات قليلة.
ولكن عملية اكتشاف منتجات وخطوط إنتاجية لم تكن موجودة من قبل يمكن أن ندعوها تطورا ، لأنه في هذه العملية تجد الابتكار والخلق والإبداع والفوائد والتعامل مع المبتكرات وصيانتها ، ولا يتم ذلك إلا بفضل التطبيقات الاستثمارية للقوانين الكونية أو المادية بعد أن تم اكتشاف هذه القوانين ، والمثل على ذلك الحروف التي يصنع منها عدد غير محدود من الكلمات ، إنها بستان ثماره هي تشكيلات لهذه القوانين ، إنها كيانات لأداء وظائف خدمية معينة.
نعم يصح أن تدعوا هذا تطورا , فهو تطورا يأتي بالجديد في الإنتاج وعمليات الإنتاج والخطوط الإنتاجية فهذه تسمية لا غبار عليها.
99

وحدة المشرع ونظامه التشريعي


إن صفات وخصائص الأشياء والقوانين التي تنظم بنائها الداخلي وعلاقاتها ببعض هو من قدر الله أو سنته ، وهذا هو المصدر الرئيسي للعلم الذي يسعى الإنسان إلى اكتشافه بتجاربه يوما بعد يوم ، إن هذا القدر من شريعة الله وسنته هو القدر الذي تجمع على الأخذ به كل العالمين , ولكن أكثر العالمين لا يأخذون من شريعة الله التشريع الذي ينظم العلاقات بين العالمين أفرادا وجماعات ، وتميزا  لها من بين الخيارات الممكنة في السلوك ندعوها شريعة رضوان الله ، يستبدلون هذه الشريعة بما تملي عليهم أهوائهم وذلك باستخدامهم للخيارات الأخرى الممكنة في السلوك , وهذا هو الأعراض عن الله.
إن الجمع بين ما يأخذه هؤلاء من شريعة الله وسنته وما يستبدلون به شريعة الرضوان منها هو شرك يدل على عجز ، فلا هو استبدال كامل ولا هو اخذ شامل بلا إكراه , انه جمع بين أكثر من مُشَرِع على غير  توافق ، ذلك بأنهم رضوا بما لا يُرضي الله ، رضوا بما يخالف شريعة الرضوان ، فهؤلاء مقهورون.

إن الخير الذي نجده من العمل بعلوم مكتشفة بالتجارب هو أفضل دليل وبرهان على عظيم الخير من العمل بعلوم كتاب الله في المعاملات والعبادات ، كما إن العمل بهدي هذا الدليل يُثمر اعترافا ويقينا بوحدة النظام التشريعي للكون والتزاما خُلقيا بنبذ النفاق في العلم والعمل

100
إن ما انزل الله بتحريمه اليوم كان بالأمس في حكم ما لا معصية فيه ( مباحا ) , كما إن ما أمر الله به اليوم لا إثم على من لم يعمل به قبل هذا اليوم ، هذا القول حكم من أحكام التنزيل ، فيخطى الظن من يحسب حدوث هذه الحالة هو حدوث تبديل أو تغيير في رسالة الله التي حملها رسل الله من أم الكتاب إلى العالمين أو الظن بان الله قد انزل رسالة ثانية أو ثالثة وهكذا ، لان هذه الحالة تجدها تقع باستمرار أثناء فترة التنزيل على كل رسول من رسل الله عليهم السلام ، وكان تحريم الخمر مثلا في ذلك ، إنها تطبيق لسنة التدرج في العلم وتعدد المراحل في التربية والتعليم , فليس لله في كل يوم رسالة.

وما جاء رسول من رب العالمين ليقيم بناءً خاصا به من جهة ويهدم ما جاء به وبناه من سبقه من إخوانه المرسلين من جهة أخرى , إن هو إلا بناء واحد من رب واحد ومواضع لبناته هو ما جاء به كل من المرسلين , فلكل رسول منهم موضعه من هذا البناء.
قال رسول الله وخاتم الأنبياء صلى الله عليه وسلم :( مثلي ومثل الأنبياء كمثل رجل يبني دارا فأتمها وأكملها إلا موضع لبنة فجعل الناس يدخلونها ويتعجبون منها ويقولون لولا موضع اللبنة ، فانا موضع اللبنة جئت فختمت الأنبياء ) صحيح مسلم.
توصيف دقيق لا مبالغة فيه ولا تقليل من منزلة ودور كل رسول في البناء التشريعي والأخلاقي , الأنبياء كلهم كمثل رجل واحد ، والتشريع قام بهم جميعا , لا اختلاف ولا تكذيب , لقد كان القول حقا إن الأنبياء أخوة ودينهم واحد ، لا بل الانبياء كلهم رجل واحد.
101

إن هؤلاء الناس الذين أنبانا النبي محمد صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح عنه إنهم قالوا ( لولا موضع اللبنة ) كان لهم توصيفهم وترقبهم لبُنية رسالة الله وللنظام التشريعي وسنن الله كانوا يعيشون قبل مولد وبعثة خاتم الأنبياء والمرسلين فمن النادر جدا أن تجد مثيلا لهم في كل قرن ، إنهم كانوا على دراية بما يُكمل ما بين أيديهم من رسالة رب العالمين.
قال تعالى:{ قُلْ آمَنَّا بِاللَّـهِ وَمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَالنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ }  84/3 سورة آل عمران.

فالرسالة التي أنزلها الله إلى كل فرد من الأنس والجن من الأولين والآخرين هي رسالة واحدة حملها كل المرسلين لم تختص ببعض منهم دون بعض , وإذا ما تفاوت الناس فيما بينهم بالمقدار الذي يصل احدهم من رسالة الله وعطائه ومقدار عمله وخبرته وتفقهه فان منازل التفضيل بينهم لا تقاس على ذلك وإنما على التقوى وفي هذا مساواة بينهم على معيار عادل وليشمل كذلك المختلفين في الإمكانات والقدرات الفردية ولذلك قد بلغت بعض النساء منزلة الصديقين ولم يبلغ هذه المنزلة كثير من العلماء والقادة من الرجال وأولي الأمر ومن هذه النساء مريم العذراء وآسيا زوجة فرعون.

إن رسالة الله لم تصل بعد إلى آخر مولود على الأرض يرجى الإبقاء على صلاحه من الثقلين , لذلك لم تزل رسالة الله مرسلة مكفولة بعد كمال نزولها بالتمام من اللوح المحفوظ من الخالق إلى المخلوق محفوظة كما حفظ اللوح المحفوظ.
قال تعالى:{ ... الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ...  }  3/5 سورة المائدة
102

فالدين الوحـيد الذي أنزله الله على كل الأنبياء والمرسلين إلى كل العالمين من الأولين والآخرين هو دين الإسلام ، فلم يأتي احد منهم بدين غير الإسلام.
قال تعالى:{ إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ ... }  19/3 سورة آل عمران
قال تعالى:{ وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ }  85/3 سورة آل عمران.
103

وما لله إلا دين واحد يرتضيه

إن لله دين واحـد بموجبه يتم تقدير الثواب والعقاب والدرجات والدرك لكل الأنبياء والمرسلين وأتباعهم وأعداء الله وأعدائهم ، انه ميزان الأعمال والأقوال وتجد به زنة ومنزلة كل فرد من الإنس والجن , بعد أن ضرب فيه لكل شيء مثلا ليوزن عليه , وفي حدود أحكامه يعقل أولي الألباب سلوكهم ، وحاشا أن يكون لله أكثر من ميزان أو نظام واحـد للكيل أو المعيار ، إن الله لا يكيل بمكيالين والأدلة كافية وصريحة إن كل المرسلين والأنبياء كانوا مسلمين ودينهم واحد , وما كان الله في كل يوم له دين ، لقد ارتضى بعضهم لله ما لا يرتضيه لنفسه فيما تصف ألسنتهم وسبحان الله عما يصفون ، لا بل إنهم يستبيحون دم من بدل دينه ، وهذه الأدلة الكافية والصريحة هي في كتاب الله وأذكر منها :
قال تعالى:{ فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ ﴿٨٣﴾ وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ ﴿٨٤﴾} 83ـ84/10 سورة يونس
قال تعالى:{ وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ }  90/10 سورة يونس
قال تعالى:{ إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ }  44/5 سورة المائدة 
104

قال تعالى:{ وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ }  111/5 سورة المائدة
قال تعالى:{ فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ }   52/3 سورة آل عمران
قال تعالى:{ وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ ﴿١٣٠﴾ إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ﴿١٣١﴾ وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ }  130ـ132/2 سورة البقرة
قال تعالى:{ ... وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ ... }  78/22 سورة الحج
باشتقاق الاسم من الفعل ( أسلم ) الذي أمر الله به.
قال تعالى:{ يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ﴿٥١﴾ وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ }  51ـ52/23 سورة المؤمنون.
قال تعالى:{ وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ ﴿٧١﴾ فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴿٧٢﴾} 71ـ72/10 سورة يونس.
قال تعالى:{ أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ } 83/3 سورة آل عمران.
105

قال تعالى:{ ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ }  11/41 سورة فصلت

إن الأرض وكل ذرات ودقائق الدخان الذي خلق الله منه السموات قد رضيت بالتسليم لأمر الله طوعا لا بالإكراه فلا ينحرف أي منها عن أحكام القوانين التي شرعها الله لتنظيم حركتها ، فكل مخلوق قد منح الخيار بدليل نصوص كتاب الله.
وقال تعالى:{ وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا } 125/4 سورة النساء

ولا ينكر بعضا من أهل الكتاب بأنهم كانوا مسلمين قبل مولد وبعثة النبي محمد صلى الله عليه وسلم وقبل نزول كتاب القرآن الكريم وقولهم هذا قد أنبأنا به رب العالمين في كتابه القرآن الكريم عندما
قال تعالى:{ وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ }  199/3 سورة آل عمران.
قال تعالى:{ وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ﴿٥١﴾ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ ﴿٥٢﴾ وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ ﴿٥٣﴾}  51ـ53/28 سورة القصص
قال تعالى:{ لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ ﴿١١٣﴾ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ }  113ـ114/3 سورة آل عمران
106

قال تعالى: }الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آَمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ { 157/7 سورة الأعراف

فأهل الكتاب فيهم أمة واحدة لا أكثر هم من الصالحين وما سواهم ليس من الصالحين وقد أنبانا الله قولهم وعملهم فيما ذكرنا من قوله تعالى.
قال تعالى:{ وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ }  46/29 سورة العنكبوت

وإذا قال قائل إن اليهودية والنصرانية كل منهما دين لله ، وقد جاء بهما المرسلين والأنبياء.
نقول له أخبرنا ما هو دين المرسلين والأنبياء الذين بعثهم الله قبل أن يبعث موسى وعيسى عليهم السلام ؟
قال تعالى:{ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ﴿٦٥﴾ هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴿٦٦﴾ مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴿٦٧﴾}  65ـ67/3 سورة آل عمران.
107

قال تعالى:{ أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ }  140/2 سورة البقرة
قال تعالى:{ وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ }  113/2 سورة البقرة
قال تعالى:{ وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ }  111/2 سورة البقرة
قال تعالى:{ وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ ﴿١٢٠﴾ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ﴿١٢١﴾}  120ـ121/2 سورة البقرة
قال تعالى:{ قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ }  68/5 سورة المائدة.
لقد منحكم الله التسمية بأهل الكتاب ، فهل تجدون تسميتكم باليهود أو النصارى هي خير مما اختارالله لكم ؟ ، فعندما تكونوا على دين ثم شريعة ثم قوانين عندها تكونوا كيانا كائنا هو جماعة بموجب نظام.
قال تعالى:{ ... تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ }  14/59 سورة الحشر.
قال تعالى:{ إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ }  159/6 سورة الأنعام.
108

قال تعالى :{ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا..}103/3 سورة آل عمران
قال تعالى: {... وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ }  11/64سورة التغابن
إن الذين آتاهم الله الكتاب وهو المنزل من أم الكتاب ، وكان منه صحف إبراهيم والتوراة والإنجيل والقرآن ، إنما هم رسل الله وأنبياءه عليهم السلام وأتباعهم بالحق إلى يوم الدين.

في هذه الأدلة قد برء الله رسله وأنبياءه من تهمة الانتساب إلى اليهود أو النصارى , كما إن كل مولود يولد على كوكب الأرض في الأولين والآخرين هو على ملة الأنبياء والمرسلين وأمتهم ودين الإسلام.
قال خاتم الأنبياء والمرسلين صلى الله عليه وسلم:( كل مولود يولد على هذه الملة ـ الفطرة ـ  فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه ) صحيح مسلم.
فأطفال العالم كلهم بريئون من تهمة الانتساب إلى اليهود أو النصارى أو المجوس , ومنهم أطفال اليهود والنصارى والمجوس ، أما خاتمة كل مولود من الناس أجمعين فهي نتيجة لسعيه وإتباعه عندما يبلغ السعي ، وعلى هذا يخصص له مقعدين أحدهما في الجنة والآخر في النار ، وليس له إلا أن يسعى إلى احدهما كما جاء ذلك في أنباء الغيب.
فالإنسان هو مسلم بطبيعته وبتعبير أصح ؛ الإنسان مسلم بالفطرة , وكتاب الله أصدق تعبير عن الفطرة.
109

حاشا لله أن يتبرأ الله من دين أنزله على رسول من رسله ويصف أتباع هذا الرسول ِبأنهم ضالين أو مغضوب عليهم إن اتبعوا رسولهم حق الأتباع , وما تبرئ الله من احد من رسله أو أنبياءه سلام الله عليهم أجمعين ، إنما تبرئ الله من كل ما يُدعى دين يفترى به على الله ورسله وأنبياءه الأطهار ، بدلوا فيه دين الله تبديلا ، تبرئ الله من هذا الذي يدعونه دينا وتبرا كذلك ممن كتب أو اتبع هذا الدين ، إن الله لم يدعوه دينا لأنه لا يمتلك شروط تسميته دينا ، فلا تجد اسما لدين هو غير الإسلام قد ذكره الله في كتابه ، ومثلا على ذلك لا حصرا ؛ نجد أن الله قد ذكر المجوس في كتابه لوجود المجوس وهم الذين يَدعون أنفسهم بهذا الاسم على الأرض ، ولكن لا تجد في كتاب الله كلمة  المجوسية لعدم وجود دين غير الإسلام يحظى باعتراف وقبول من الله ، فلكم ما أسميتموه دينا وما هو بدين ، فهي لكم أسماء أسميتموها كما فعل الذين عبدوا الأصنام.
قال تعالى:}  ... أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ مَا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ... { 71/7 سورة الاعراف
قال تعالى:  } لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ { 6/109 سورة الكافرون
قال تعالى :{ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ }  79/2 سورة البقرة.

إن دين الله عندما تتعرض نصوصه إلى التلاعب لا يُدعى بكلمة ( دين ) وإنما يدعى بكلمة ( سنة أو سنن ) كما جاء ذلك في الحديث الصحيح ( .. لتتبعن سنن من قبلكم .. ) وكلمة ( سنة ) أشمل من الكلمات ؛ شريعة ، دين ، قانون ... مما يندرج تحتها ، ولكل منها خصوصية تميزها ، والدين هو بعضا من الشريعة ، وأما القانون فهو بعضا من الدين وكلا من الدين والقانون هو سنة الله لا تتغير
110

ولا تتبدل على الإطلاق أبدا ، ولكن من السُنة ما يُشرعه المخلوق ، وما يُشرعه المخلوق ؛ منه ما يكون سنة حسنة ، ومنه ما يكون سنة سيئة ، وهما لا يستويان مثلا.
كن مع الله يكن الله معك ، بإتباع ما يتضح لك من أدلة قول الله ، وكلما تمضي على هذا  الطريق ترى بعينك ما فيه ، ولكن شيء بعد شيء ، فلا يمكنك أن ترى ما في نهاية الطريق وأنت في أوله إلا أن تتمكن من إدراك ذلك ، ولتكن في يدك أدلة هي نصوص من الدين تؤكد لك في كل حين انك على الطريق الصحيح فلا تدخل في طريق مُظلم ليس لك فيه دليل علم ، إنما الدليل يسبق الرحيل ، إنه دليل الهجرة إلى الله.                            
من الحكمة أن لا يذكر من هذا الأمر الذي وصلنا إليه هنا إلا القدر الذي يبين ويؤكد وحدة رسالة الله ووحدة رسل الله وأنبياءه ووحدة كل المؤمنين بالله من الأولين والآخرين ، لأن الاسترسال في مسائل هذا الأمر ضررها اكبر من نفعها ، لذلك لن تجد أدلة تمنحك الاسترسال فيها بعلم , كما إن المؤمنين لن يجدوا ما يغني في هذا الأمر أكثر من أحكام التنزيل نفسها ، في نصها على إن الله لا يُعرض آية من آياته إلى النسخ أو النسيان إلا أن يأتي بهذه الآية نفسها أو بخير منها بلا تبديل أو تحويل عما في أم الكتاب ، فلا تخشى على آيات الله من الاختفاء وان استمرت محاولات إخفاء آيات الله أو كتبه إلى يوم الدين.
قال تعالى:{ مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ }  106/2 سورة البقرة
وقوله تعالى ( خير منها ) أي أكثر إحكاما وشمولا وبيانا وفيما تعني أيضا نقل الآية من المتشابه إلى المحكم , وقد خُص خاتم الأنبياء بجوامع الكلم وهذا بما يتناسب مع موقع التدرج في أحكام التنزيل كما إن هذا من سُنن التربية والتعليم
111

قال تعالى:{ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ ﴿١٥﴾ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴿١٦﴾}  15ـ16/5 سورة المائدة
قال تعالى:{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا }  136/4 سورة النساء.
قال تعالى:{ لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ... }  25/57 سورة الحديد.
لقد كان الكتاب مع الرسل في كل فترة من التنزيل وليس كتبا متفرقة ، فهذه الكتب هي كتاب واحد ، وهذا هو الدليل على وحدة الكتاب والغاية منه.   
فكل الذي أنزله الله على كل رسله إلى كل الناس قد أنزل من كتاب واحد في السماء هو أم الكتاب إلى السماء الدنيا في ليلة واحدة مباركة هي ليلة القدر ، ثم كان نزوله من السماء الدنيا إلى الأرض مفرقا وفق أحكام التنزيل على كل المرسلين ، إلى أن اكتمل بين أيدي الناس على ما هو عليه قدره في اللوح المحفوظ في السماء.

فالحمد لله رب العالمين في كل وقت وحين على نزول كتاب الله القرءان الكريم الذي أُنزل بالنص الكامل والتام لرسالة رب العالمين إلى كل العالمين , لقد وفى الله بوعده ، فكان هو الهدى ، وهو العهد الجامع ، والصلاة والسلام على كل الأنبياء والمرسلين.
112

إن من لا يرضى بما رضي الله به لعباده وبمن ترضى عليهم من عباده لا يمكنه أن يُخفي احتقاره لأتباعه الذين يرتضون به وبما علموا به من أقواله وأفعاله المخالفة لكتاب الله ، وتأخذه العزة بالتكبر على أتباعه وظلمهم على قدر موالاتهم له ، ويقودهم إلى النار وان لبس ما يلبس المسلمون ويتصدر المسلمين لبيان رسالة الله وعلومهم ويقوم بالتعريف بالرجال الذين اختارهم الله لحمل رسالته , فإذا وجدت منه ذلك فأعلم إنما قد جاء باللغو لكي لا يُسمَع كلام الله في الأرض ويعمل على استدراج المسلمين وإشغالهم بدوامة الدوران حول موضوعات هي كذب وتكفير لينال بها من دين الله ونبي الله واله وصحبه وكل من تبع النبي بحق إلى يوم الدين , دوران يقذف بهم إلى سُبل غير المسلمين من الفرق والأحزاب والشيع  ليكون باسهم بينهم ويكون هو مركز عاصفة هذا البأس لينزع عنهم دينهم بإزالة يقينهم بكتاب الله وكلام الرسول وذلك بالتشكيك بأهل فترة التنزيل ومنازلهم وتشويه تأريخ المسلمين وبمحاولات التلاعب بأنسابهم بتجنيد الموالي لهذا المنهج في كل قبائل وملل ونحل المسلمين.
113

 الإيمان والأمانة متلازمان
  
إن من أسلمت له طوعا قد جعلت خياراته مقدمة على خيارات من سواه في موجبات الطاعة والعمل بما في ذلك خياراتك الشخصية , وعلى هذا الأساس يكون الإتباع لرضوان الله ، وهذا هو تعريف الأيمان من حيث المنهج , وبذلك يُكتب محتوى الأيمان ، وهو نفسه محتوى التسليم , من المخلوق للخالق من غير إكراه أو اختلاف ، وبكلمة موجزة ؛ إن الإسلام هو منهج الأيمان.
حقا لا نجد من ترقى خياراته على خيارات بديع السموات والأرض ، إن خيارات الخالق هي مرجع المبدعين في الجمال والأمان والكفاءة والعدل والاتزان ، والخير فيما اختار الله , فإذا تطلب منك الامر أن تسلم أمرك لأحد فلا تسلم أمرك إلا لله رب العالمين , لأنك لما عند الله فقير والله لما عندك غني ، كما إن لله موجبات الحركة ، فلتكن إلى الله وجهتك ، والى الله المصير ، فلا تسلم وجهك إلا لله رب العالمين , ولا تولي وجهك إلا لله رب العالمين ، لأن الله لا يمل من كثرة سؤال عبده , ولذلك كله اجعل سعيك لله ، إن كنت تخشى العذاب أو الخسران المبين عند وقوفك بين يديه وترجو رحمته ومغفرته وحسن العاقبة.
إن من آمنت به كان هواك تابع لمثل أعلى يدور في فلك شريعته ، ذلك إن المثل الأعلى يوصف بالنجم أو الكوكب الذي في السماء.
قال تعالى: }  وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ  { 16/16 سورة النحل
قال رسول الله : ( لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به ).
قال تعالى :{ فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ ﴿٧٥﴾ وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ ﴿٧٦﴾} 75-76/56 سورة الواقعة 
114

قال تعالى: { قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ } 14/49 سورة الحجرات
والأعراب هم سكان البادية من العرب ، يعيشون حول المدن , ولأن الأعراب هم من العرب فان الأصل في تسمية الأعراب هي النسبة إلى الجهل والجاهلية ، وتخصيصا الجهل بالتشريع ، وما كان هذا حكما عاما ظالما لأنه لا ينال من كان بينهم على غير ذلك , ولأن التشريع هو مجمع العلوم ، فالجاهلية هي الجهل بالعلم والتشريع أو العمل بما يخالف العلم أو التشريع ، وبهذا المعنى فالجاهلية ومنهم الأعراب هم من لا يستن بسنن أهل المدينة تخصيصا ، فهم متواجدون في كل قرن أو بادية أو حضر ، ومن بين من يدعي منهم اعتناق شريعة المدينة تجد أشد الناس نفاقا.
والعربي هو من صح نسبه , ومن العرب سكان الجزيرة العربية , ولا ترجع كل العرب إلى أَبٍ واحد اسمه يعرب لتعود تسميتهم إليه ، فالعربي الأصل في تسميته كذلك النسبة إلى الأِعراب ، والإعراب هو الإفصاح والبيان , ذلك إن خير ما يفتخر به ابن آدم هو صحة النسب والإفصاح والبيان ، وهذه سنة نبوية ، والمقصود من الإفصاح هو الصدق ، فالنسبة إلى الأِعراب هي النسبة إلى الصدق والبيان , وهما صفتان لا تقومان إلا على النقل بأمانة ، والنقل بأمانة هو من أركان العلم ، وعليه فالعربي هو كل من نبذ الجهل وانتسب إلى العلم في عمله وفي سعيه إلى النقل بأمانة في قولهِ وعلمهِ وأدبهِ وشعرهِ حتى وان تكلمَ عن عدوهِ وإلا كان ضالا بهواه ولا يتبعه إلا الغاوون ، فكان من العرب من يصف النبي بالصادق الأمين وهو له عدو مبين.
115

فالكلمتين ؛ عربي وإعرابي ، متعاكستين في الدلالةِ ، ولا تجدُ كلمةٍ مغايرة بالكلية للجهلِ إلا العلم ، فالنسب إلى ما في أحدهما فيه تفصيل عندما نتجنب المبالغة أو التقليل.
فاللسان العربي هو بكلمةٍ مختصرةٍ كل لسان ينطق بالحق لأنه صادق مبين مستقيم إلى علم ، وهذه هي وظيفة اللسان عند خالقه , وهذا اللسان يفتح أبواب المصالحة مع النفس ويقود هواها إلى الأسوة الحسنة وبذلك يحصل تغيرا لما عليه القوم إلى ما فيه الخير في الدارين.  
قال تعالى:}... إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ...{11/13سورة الرعد
فكل من العربي والإعرابي صفة لا تسمية ولا يختص أي منهما بسكان الجزيرة العربية ولا لسانهم ، وسكان الجزيرة كان فيها أول من وصف بكل منهما ، فكلمة اللسان العربي هي صفة يحملها كل لسان من ألسنة الشعوب مثلما حملها لسان أهل الجزيرة ، كما إن اللسان العربي هو لسان أهل الجنة ، لسان الفطرة ، لسان المؤمنين ، لسان أبينا وسيدنا آدم عليه السلام ؛ إنه لسان كل من اتبع رسل الله وأنبياءه حق الإتباع من الأولين والآخرين.
والعُجمة الأصل فيها النسبة إلى الإبهام والابتعاد عن التفصيل ، فالعُجمة صفة تأتي على كل لسان كذلك ، كما إنها لا تختص بسكان وبلاد ما وراء النهرين ( دجلة والفرات ) أيضا , ولا تجد قومية تدعى بالقومية الأعجمية , وقد جاء في لسان أهل الجزيرة : الأعجم هو من لا يُفصح ولا يبين في كلامه وان كان من أهل الجزيرة ، كما إن العُجمة ينسب لها الإلحاد وهو الخروج عن الاستقامة , وهكذا يخرج اللحد عن إستقامة حفرة القبر ، والاستقامة تكون إلى شريعة الرضوان.
116

قال تعالى:{ .... لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ } 103/16سورة النحل
قال تعالى{ وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ ..... } 44/41 سورة فصلت
قال تعالى:{ قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ } 28/39سورة الزمر .
فالعُروبة والعُجمة هما طرفي مقياس لدرجة الميل إلى كل من الأمانة أو الخيانة فيما ينقل اللسان , أي لسان ، إلى الآخرين.
إن العروبة والقصص الحق في تناسب مثلما تتناسب العُجمة مع الأساطير في الأدب والعقيدة.
فالخيال يكون واقعيا أو علميا متناسبا مع الثقة بالدليل العلمي والتجريبي كلما زاد رصيد صاحبة من الصدق ، وإلا كان الخيال عند أصحاب الرصيد المرتفع من الكذب غير واقعي وخرافي فلا يثق هؤلاء بالأدلة العلمية والتجريبية إلا قليلا ، وقد يفقد أحدهم ثقته بحواسه وحواس الآخرين أيضا ، وقد سمع أهل العلم قول أحد الفلاسفة ؛ وما يدريني إن ما ترسمه شبكية عيني هو صورة لنفس الشيء حقا ؟!! ، فهل تنفع هذا ومن يتبعه في هذا المنهج بينة يطالبنا بها أم يشفي غليله عجل السامري؟!!
117

 الدين دعوة إلى الله

ما كان الدين دعوة إلى رجل ، نبي كان أو وليا من الصالحين , إنما الدين دعوة إلى الله , فليس الدين دعوة إلى موسى أو عيسى أو محمد عليهم السلام ، وليس الدين دعوة إلى عمر أو علي رضي الله عنهما ، وما كان الدين دعوة إلى عالم أو مجتهد في الدين أبدا , ولا تجد أحد منهم يدعو إلى نفسه حاشاهم مما يفترى عليهم أجمعين.
إن الدعوة إلى رجل تدعى في لسان التنزيل باسم لها هو التشيع ، انه دعوة إلى تفريق الناس إلى عدد من الشيع ، كل منها هو التكوين الأولي الذي تنشأ منه العصابات أو المليشيات ، إن جعل أهل الأرض شيعا سنة اتبعها فرعون في قومه ، وبها يأخذ كل من يعمل بسنن فرعون ، وهم الذين يطلبون العلو في الأرض والاستحواذ على السلطة وخزائن الأرض.
قال تعالى:{ إنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ } 4/28 سورة القصص
أما دين الله فإنما يدعو الناس إلى الوحدة , إلى إعادتهم واستقرارهم على ما كانوا عليه أمة واحدة ، وليست الوحدة بالمعنى السياسي والاقتصادي ، فلكل رزقه ومصالحه ، وإنما وحدة الأخلاق والتشريع والعقيدة ، وهذا هو العامل الحاسم لإزالة الخلافات وحفظ الاتزان وزيادة الكفاءة في النشاط الإنساني.
قال تعالى: { ... وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴿٣١﴾ مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ } 31ـ32/30 سورة الروم  
118

وفي هذه الآية الكريمة قد نهانا الله عن التشيع والشرك , ونسب التشيع هنا إلى نوعه وسببه وهو الشرك ، فالتشيع يدل على انتقال الفرد من التوحيد إلى الشرك , كما إن التشيع يكون سببا لخلق العداوة ودافعا لقتل النفس بغير الحق.

فدوافع التشيع من عمل الشيطان وهذا القول هو فتوى لسيدنا موسى عليه السلام بعد تجربة له مع السنن العاملة في المجتمع ، تجربة لمتشيع ترك التشيع ، وكانت هذه التجربة في الذكر الحكيم عندما ؛
قال تعالى:{ وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ } 15/28 سورة القصص
وهذه الآية بيان صريح في قراءة وتأويل تجربة لأحد أنبياء الله فكانت سببا لتحريم التشيع ، لأنه من عمل الشيطان.

أما التحزب فهو دعوة إلى أمر جامع , دعوة إلى دين أو عقيدة أو تشريع أو خُلق أو برنامج عمل ، ثم السعي إلى توسيع قاعدة المؤيدين والأنصار والعاملين على قدر ، لإقامة هذه الدعوة وحفظها.
قال تعالى:{ فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ } 53/23 سورة المؤمنون.
فتقطيع الأمر الجامع للناس إلى أجزاء يدعوا لكل منها حزب يقطعهم إلى كتل متصارعة ويذهب بوحدتهم وأمنهم وتعاونهم لتعمير الأرض.
فالتحزب والتشيع يجمع بينهما الشرك بالله عند المشركين , ويحرم الجمع بينهما دين التوحيد دين الله رب العالمين وبحكم الله يقضي المؤمنون.
119

أما قوم الرجل ، بناء على ما يفترض ، فهم الذين يقومون لنصرته على عدوه والأولوية بموجب أحكام الفطرة أن يكونوا من أهله أو قبيلته ، وأكثر الوقائع تخالف ما يُفترض ، وليس في هذه النصرة دعوة إلى رجل وإنما هي قوة جاءت في صالح هذا الرجل ، إنها نصرة لعرف اجتماعي أو تشريع قبل أن تكون نصرة للفرد نفسه.

لقد كانت من حكمة القوم أن منعت قبيلة قريش تمرير سنة أو عرف اجتماعي يقضي باتخاذ الفرد نذرا على دعاء مستجاب في قصة الذبيح الثاني , كان لهم احترام للدعاء وعمل على علم بالسنن وقد كلفهم ذلك غير قليل.

إن هذا الاستعداد الفطري الذي يدعوه بعضهم ( السلوك العفوي ) ، قد نظمه الإسلام في خدمة شريعة الله في الأرض لنصرة الضعفاء عندما يكونوا على حق ، وعلى ذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ليس منا من دعا إلى عصبية ) وقال أيضا ( أنصر أخاك ) وما النصر إلا للمعروف على المنكر.
كما إن رسول الله بدأ نذيرا من الله وداعيا إلى الله بأهله وقبيلته ، لأن الأولوية في المعروف للأقربين ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ، فكان منهم رؤساء أفخاذ قريش العشرة الذين توزعت عليهم وظائف رئيس العشيرة ، ثم سادة قبائل الجزيرة ثم عظماء الناس على التوالي.
قال تعالى : { فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ ﴿٢١٣﴾ وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ﴿٢١٤﴾ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴿٢١٥﴾ فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ ﴿٢١٦﴾ وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ ﴿٢١٧﴾} 213ـ217/26 سورة الشعراء
120

وبهدف قتل هذا الاستعداد الفطري في نصرة الحق والضعفاء ، القائم على رحمة المخلوق بالمخلوق ، يجري استغلال وتشويه دوره الاجتماعي وذلك بجعله دعوة إلى عصبية قديما وبجعله دعوة إلى القومية بمفهومها السياسي الحديث القائم على أهداف وتنظيم حزبي لخدمة عنصر بشري معين ، جعلوا من القومية مفهوم عنصري ، ولم تذكر مفردة القومية في كتاب الله ولم يستخدم مصطلح (قومية/قوميات) إلا حديثا ، وأجدها بهذا المفهوم تشيع ولكنه لجماعة أو مجتمع بعد أن كان التشيع للفرد ويقوم حزبها على أمر يحسبونه جامع لهم ، لنقل الصراع إلى ما هو أعظم من الصراع داخل المجتمع الواحد ليكون الصراع بين المجتمعات أو القوميات بالمفهوم الحديث التي تعيش على كوكب الأرض ، مما يدل على وجود فرعون مختفي عن الأنظار وهو الذي يسيطر على كل المجتمعات والشعوب والبلدان ومصالحه تدعو إلى أن يجعل أهل الأرض شيعا هي قوميات أو أمم أو حضارات متصارعة ، وكان لذلك علماء ومنظرين مجندين لترويج مفاهيم صراع الحضارات في مخيلة كل الناس بما فيهم الأطفال ليتقبلوا حياة قد دبرت لهم بليل.

إن الذين كانوا بالأمس أول الداعين إلى القومية بمفهومها الحديث سياسيا هم ألآن أول من يدعو إلى صراع الحضارات ، وينفق الأموال لنشرها واستثمارها.
121

إن العشائرية هي الشكل التنظيمي للنسل والحرث ، وما العشيرة أو القبيلة إلا الكيان القائم على ذلك ، والمناداة إليها تقوم على الاعتزاز والفخر بعفة النسب وإكراما للنكاح وإذلالا للسفاح ، فيقيمون النسب إلى الآباء تطهيرا لأمهاتهم ، ولهذا يفتخر الأنبياء بانتقالهم من آبائهم ابتداء من آدم عليه السلام بالنكاح لا بالسفاح.
إن العشائرية جعلها الله رافدا للتعارف الاجتماعي يوسع دائرة الصلة بالآخرين على ما يجلب من الأمن والاطمئنان إلى الآخرين من حيث المبدأ.
قال تعالى: { يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا .... } سورة الحجرات13/49سورة الحجرات
إن هذه الآية الكريمة هي نص تشريعي ، فتحريم مخالفتها هو تحريم لمبدأ اتخاذ الغريب عدوا ، وتذكير للناس بأنهم ذرية رجل واحد وعلى بعضهم للبعض الآخر حقوق وواجبات.
إن القبيلة قد استعاذ بها الفرد وكانت ملاذا له عندما نشأ الاختلاف بين الناس عندما كانوا أمة واحدة فافترقوا ، استعاذ بها حفاظا على النفس والممتلكات والشرف ، وكان الاختلاف سببا لنزول الهدى ولإقامة المدينة وكان أول خلفائها هم رسل الله وأنبياءه ، ولكن الناس فيما بعد استبدلوا المدينة بمدينة أخرى ذات تشريع وضعي ، إنها المدينة البديلة ، التي كان منها الدولة والمملكة والإمبراطورية والتي بين الحين والآخر يشتد في داخلها الاختلاف ولذلك وجدنا الفرد يعود فيها إلى ملاذه الأول وهي قبيلته التي تؤويه ، ولهذا كان التنظيم الخاص بالأسرة والقبيلة يشكل خطرا على الظالمين الذين يستعبدون الناس ، ولذلك يسعى الطغاة وأشد الناس ظلماً إلى نشر الزنا ، وقطع التربية والعلاقات الأسرية التي تقوم على الدين والعدل ، خوفا من عودة الناس إلى إقامة المدينة الأصيلة لا البديلة وخوفا من إقامة القصاص ونشر العدل بين الناس أجمعين.
122

المؤمنون واختلاف الأمم

تقام الجماعة إما على أحكام الفطرة أو على أحكام تشريع معلن ، إن الاختلاف الأولي بين الناس على أحكام الفطرة لا ينال من وحدة الأمة التي تجمعهم , ولا ينال من وحدة الناس إلا الخروج على التشريع والقضاء , فوجود التشريع والقضاء ينقل الاختلاف الأولي للناس إلى مرتبة الاختلاف التشريعي المرجعي.
لقد افترق الناس إلى أمم بديلة عندما أقاموا على ما اختلفوا عليه مع أمة الفطرة ، وهي الأمة الواحدة التي كانت تجمع الناس جميعا ، إلى ما بعد نزول هدى الله  وأصبحت هذه الأمة هي أمة التشريع والقضاء ، أمة الأنبياء والمرسلين , وهي أمة الرصد المرجعي بين الأمم.
فبعد أن كان الناس أمة واحدة أمست هذه الأمة واحدة بين الناس وما لهم من أمم , فالاختلاف هو في الناس لا في الأمة , والاختلاف هو شجرة البدائل وقد أثمرت الكثير من الفرق أو الأمم بعد أن زين لهم الشيطان أعمالهم فكان وليهم ، بنظرياته وتنظيراته , اتخذوه بديلا عن الله يأمرهم بما يأمر به الهوى لمعصية الله فيما أمر , وما كان الإله الذي يدعون إلا اسم يحملوه ما أمر به الهوى وان لم ينطق هذا الإله بكلمة واحدة لأنه من الحجارة أو كان وليا من الصالحين غائبا فيحملوه ما كانوا يفترون كما فعل أصحاب العجل بموسى عليه السلام , لا بل جعلوا من أهوائهم دينا نسبوه إلى الله ورسله فالهوى هو المرجع الوحيد لكل الأديان التي ما أنزل الله بها من سلطان , إنهم لا يريدون إلها ناطقا أو له كتاب محفوظ ولا إليه يريدون أن يرجعون ، فهم في كل حين يجددون بعد أن يبعدون أو يخفون أو يتلفون كتب مراجعهم التي يدعون بأخرى يفترون ويقولون فيها ما لا يفعلون ، إنها بيت العنكبوت لا يولي لها وجهه إلا الهالكون.
123

قال تعالى:{ تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴿٦٣﴾ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴿٦٤﴾} 63ـ64/16 سورة النحل
فالذي اختلفوا فيه قد اختلف الذين من قبلهم فيه فكانوا أمم على ما أقاموا عليه بعدما أرسل لهم الله رسله ، فالاختلاف يصنع الأمم.
قال تعالى:{ وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَا مُوسَى ﴿٨٣﴾ قَالَ هُمْ أُولَاءِ عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى ﴿٨٤﴾ قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ ﴿٨٥﴾ فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ يَا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي ﴿٨٦﴾ قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ ﴿٨٧﴾ فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ ﴿٨٨﴾ أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا ﴿٨٩﴾} 83ـ89/20 سورة طه  
قال تعالى:{ وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ... } 36/16سورة النحل
والقول الحاسم في هذا الأمر ، لا يقال لهم أمة أولئك الذين هم من الناس ولم يرسل لهم الله رسولا ويجعل لهم منسكا , فكل امة يجب إن يكون لها رسولا ومنسكا من الله وهما الدليلين اللذين يثبتان وجودها بما في ذلك أمة الفطرة.
قال تعالى:{ لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ فَلَا يُنَازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى مُسْتَقِيمٍ ﴿٦٧﴾ وَإِنْ جَادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴿٦٨﴾ اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ﴿٦٩﴾}67ـ69/22سورةالحج
إن لكل أمة رسول من الله فكيف نميز أمة الفطرة عن غيرها من الأمم إذا ادعت كل منها إنها أمة كل الأنبياء والمرسلين ؟
124

لا تجد الجواب في الرسائل والأطروحات والتنظير , وقل إني غير مكلف بالتميز بين الأمم بطريقة وضع كل فرد من الناس في الأمة التي توافق عمله , لأن هذا ليس في حدود قدراتي ، ولكن يحق لي أن أحكم فقط إذا دعيت للحكم على عمل مشهود لفرد معين بموجب ما أنزل الله , بغض النظر عما كان هذا الفرد من الأمة التي أنا منها أو كان من غيرها من الأمم ، وقد أصيب وقد أخطئ , لأن تمام هذا الأمر يتطلب علما بالغيب وهو مما لا أملكه ، ولا أمتلك أيضا علما بخاتمة كل مخلوق بما فيها خاتمتي يوم الدين , ويحق لي أيضا أن أتعرف على هذه الأمم وما يميز كل أمة عن غيرها وعمل كل من هذه الأمم في حدود ما جاء في كتاب الله لا في حدود مرجع آخر لكي أقوم بضبط حركتي وسلوكي بموجب شريعة رضوان الله ليس إلا.
إن الأفراد في كل أمة ليسوا سواء ، فما من أمة أو قبيلة أو أسرة بُعث فيها رسول إلا وتجد أفرادا فيها ليسوا منها وكل منهم ينتمي إلى أمة , ولذلك فان أفراد أمة الفطرة وهي أمة الأنبياء والمرسلين ومن اتبعهم حق الإتباع تجد كل منهم شاهد على عمل الأمة التي يخرج منها أو لازال هو فيها ولذلك فإن البعض من الأمة هم أمة في كل مكان وحين ، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
قال تعالى:{ وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ }  89/16 سورة النحل
قال تعالى:{ وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا } 159/4 سورة النساء
قال تعالى:{ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ } 26/57 سورة الحديد
125

ابنك الذي ليس من اهلك

قال تعالى:{ وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ ﴿٤٥﴾ قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ ﴿٤٦﴾}45-46/11 سورة هود
إن أهل الفرد بلا إفراط أو تفريط : أمره وجماعته وما يجمعهم ، وما زوجه إلا من جماعته ، وما يجمعهم إلا دين أو شريعة أو قوانين وعندها يكونوا كيانا كائنا هو جماعة  بموجب نظام.
لقد ضن نوح عليه السلام أن الله قد وعده بحمل كل أبناءه لأنهم من أهله في السفينة بلا استثناء لأحد منهم ، وما علم إن الاستثناء من الجماعة هو خروج منها ، فمن خرج من مجموعة أو جماعة لم يعد منها.
قال تعالى :} حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آَمَنَ وَمَا آَمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ { 40/11 سورة هود
فهو ابنه ولكن ليس من أهله ، لأنه قد خرج عن أهله بخروجه عما كان يجمعه بهم ، وهو الشريعة والدين ، وإن كان هو فيهم ويعيش بينهم ، وفي هذه الآية إقرار من الله بقول نوح بأن هذا الولد هو أبنه ولكنه ليس من أهله ، إنه ليس أهلا لأبيه ، وهناك حالة ثانية ذكرها النبي محمد صلى الله عليه وسلم ليتمم لنا الفهم الكامل لهذه المسالة عندما قال عن الصحابي سلمان إنه من أهله وإن كان ليس من أبناءه ، هكذا يعلمنا الله جميعا استخدام الكلمة على النحو الصحيح.
126

الفطرة والربوبية


إن خروج المخلوق عن أحكام فطرته لكي يأخذ بأحكام الهوى , هوى النفس الأمارة بالسوء ، هو سلوك مُدمر ، وفي الاستمرار عليه يدخل صاحبه في حرب ضد صفات وخصائص الأشياء كلها ونظام بنائها الداخلي وعلاقات بعضها ببعض ، لتكون في النهاية هي حرب ضد الأعراف والأخلاق والتشريع وكل نظام , فيكون عدوا لنفسه ولغيره ، ويميل إلى تدمير وفناء كل شيء ، وذلك بدرجة تتناسب مع نقطة الاتزان بين الرغبات والمخاوف.
إن هذا السعي يمارس عمليا عندما يختلف المخلوق إلى معصية يحل فيها حراما أو يحرم فيها حلالا ، بهذا العمل يكون إلها لمن تبعه من الناس فيما أطاعوه في معصية الخالق ، وهو بعمله هذا قد تبع وأطاع هوى نفسه ، فيكون إلهه هواه ، فهو يعبد هواه وأتباعه يعبدونه ، وقد أنبانا الله في كتابه العزيز بمثل لهؤلاء يعملون على نحو عمله عندما ؛
قال تعالى:{ اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ .... } 31/9 سورة التوبة
إن عدي بن حاتم الطائي رضي الله عنه كان قد تنصر في الجاهلية ، وعندما أنزلت هذه الآية قال للنبي محمد صلى الله عليه وسلم ( إنهم لم يعبدونهم ) فقال له النبي ( بلى إنهم حرموا عليهم الحلال وأحلوا لهم الحرام فاتبعوهم فذلك عبادتهم إياهم ) , وقول النبي هنا هو بيان للكتاب , وقد أمر الله نبيه ببيان الكتاب.
127

فليست الأولوية في العبادة للركوع أو السجود وإنما هي للطاعة في كل أمر يرتضيه الرب المعبود ويقابلها معصية لكل أمر يخالفه.
قال تعالى:{ أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ .... } 23/45 سورة الجاثية
ولا نجده قد سجد لهواه من إتخذ إلهه هواه.
 إن الذين يظنون أنهم قد سلبوا الإلوهية من الخالق ومنحوها للمخلوق ، يتهمون من يتبعونه من رسل الله وأنبياءه ؛ أنه كان إلها ، لقد رد الله عليهم ما يفترون عندما
قال تعالى:{ مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ } 79/3 سورة آل عمران  
في هذه الآية الكريمة تبرئة من الله كذلك لكل أولياء الله من هذه التهمة لأنهم ربانين , فالربانين لا يبدلون عبادة الخالق بعبادة المخلوق ولا يدعون إلى ذلك إلا أن يكون ذلك افتراء عليهم.
قال تعالى:{ وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ } 116/5 سورة المائدة  

إن الذين يبدلون عبادة الخالق بعبادة المخلوق هم الذين يجدون الاستبدال هو طريقتهم المثلى :
فترى في طريقتهم يتم ؛ إبدال الإله الواحد بالعديد من الآلهة ، إبدال كتاب الله بغيره ، إبدال الطقوس والمعتقدات وتوقيتاتها بغيرها ، إبدال شكر النعمة بكفرها ، إبدال أفضل الطعام بما هو أدنى منه ، إبدال الطيب بالخبيث ، إبدال الطاعة
128

بالمعصية ،إبدال الحلال بالحرام ، إبدال الأمان بالحرب ، إبدال الصحة بالسقم , إبدال النكاح بالسفاح ، إبدال القبل بالدبر ، إبدال الصدق بالكذب .... .
ومن نتائج الأخذ بتعدد الآلهة ؛ أنهم يأخذون بالجمع بين البدائل والكيل بأكثر من مكيال ، وتطبيقات ذلك كثيرة ؛ منها قولهم : أن دين الله ليس هو المصدر الوحيد للتشريع.                              
قال تعالى:{ وَعَجِبُوا أَن جَاءَهُم مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ  وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَـٰذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ ﴿٤﴾ أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَـٰهًا وَاحِدًا إِنَّ هَـٰذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ ﴿٥﴾ } 4-5/38 سورة ص
قال تعالى:{ وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ ﴿١٣٨﴾ } 138/7 سورة الأعراف
قال تعالى:{ وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴿١٥﴾ } 15/10 سورة يونس
قال تعالى:{ سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴿٢١١﴾ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴿٢١٢﴾ } 211ـ212/2 سورة البقرة
قال تعالى:{وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ ﴿٣٥﴾ }35/8 سورة الأنفال
قال تعالى:{ إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ﴿٣٧﴾ } 37/9 سورة التوبة
129

أجد هنا ومن الله التوفيق ؛ إنهم كانوا في عام أوآخر يبعدون عن الشهر الحرام حرمته فيطئون حرمة أيامه بأيام الشهر الذي بعده ، وكان من نتائج ذلك التلاعب بعدة أشهر السنة الهجرية ، فجاءت هذه الآية الكريمة لتأكيد هذه العدة ، ولفرض الالتزام بعدة أشهر السنة ، وبعملهم هذا لم يتركوا أشهر السنة تأخذ موقعها الصحيح كما يريد الله ذلك ، ولكن الله قد زامن موعد حجة الوداع مع عودة التقويم الهجري إلى وضعه الصحيح بعد سلسلة التلاعب التي قاموا بها وهم لا يشعرون ، فقال النبي محمد صلى الله عليه وسلم في خطبة الوداع ( إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض )   
قال تعالى:{ وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ ...... } 61/2 سورة البقرة
قال تعالى:{ وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا } 2/4 سورة النساء
قال تعالى:{ وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ ﴿٨٠﴾ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ ﴿٨١﴾ } 80ـ81/7 سورة الأعراف
قال تعالى:{ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ } 222/2 سورة البقرة
وفي قوله تعالى ( من حيث أمركم ألله ) نجد الدليل على إن أوامر الفطرة فيما كانت عليه الأمة هي أوامر الله وإن لم نجد نصا حرفيا لبعض هذه الأوامر ، فلا مبرر هنا لذكر هذا الأمر المخصوص ( القبل ) لأنه بعضا من أمر كلي قد ذكر ،
130

وأما تحريم ما لم يأمر به الله وهو( الدبر) فمعلوم من مخالفته لعمل من يحبهم الله وهم التوابين وكذلك المتطهرين 
قال تعالى:{ إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ } 105/6 سورة النحل
قال تعالى:{ وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ } 64/5 سورة المائدة
131

كل الفرق بديلا للناجية


إن الذين يجدون الاستبدال هو طريقتهم المثلى قد ذكرت عددا غير قليل مما تناولوه في طريقتهم بعد أن تعلمت ذلك من الأدلة التي في كتاب الله وقد ذكرت لكم بعضا منها ، ولكن الذي هو أكثر فائدة وعلما إن كل البدائل التي جاءونا بها والبدائل التي سوف يأتون بها مستقبلا يمكن تبويبها إلى عدد من السبل أو الطرق الرئيسية ، وكل منها هو بديل لسبيل المؤمنين ، إنها سبل من فارق الجماعة ، إنها سبل من فارق الأمة ، إلى أمة أخرى بديلة ، فهي الفرق بدليل قول رب العالمين.
قال تعالى:{ وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ...... } 153/6 سورة الأنعام
فالسُبل تأخذ بالفرد إلى الفرق ، وهي غير سَبيل الله.
فسَبيل غير المؤمنين هو المكان الذي يضم أو تجد فيه أفراد واحدة من الفرق.
 إن كل فرقة تنشأ بمفارقة الأصل الذي هو سبيل المؤمنين إلى سبيل غيره عند نقطة افتراق ، فتكون هذه الفرقة فرعا اشتط مفارقا الأصل بقوة طغيانه عن حدود ما أمر الله به لينفصل سبيلا بديلا عن سبيل المؤمنين ، سبيلا مخالفاً لسبيل المؤمنين ، وجوده يتعين بوجود إتبّاع وأتباع ، إتبّاع لشريعة مُحدثة ترضي المتبعين لهذا السَبيل المُحدث فهي ليست شريعة رضوان الله ، شريعتهم هذه هي كتابهم المُحدث وهي إمامهم الذي يتبعون ، فهم أمة بديلة.
132

إن سبيل المؤمنين يكون المؤمن فيه على الصراط المستقيم وعلى السلوك السوي للإنسان ، فمن يتخذ غير سبيل المؤمنين فقد اتخذ سلوكا غير سوي لا يليق بخلقته.  
وأجد إن هذا القول هو الذي يحمل مفهوم ومنهج الفرقة في كتاب الله على الوجه الصحيح.
إن هذا المفهوم للفرقة هو منهج ، ولا أجد أحدا من علمائنا الأفاضل قد اتبعه في بيان وعد الفرق الدينية التي رافقت مسيرة رسل الله جميعا ، وسلام على المرسلين.
فالفرقة والفرق بهذا المعنى لا أقصد بها أي من الفرق الدينية التي ذكرها علماء الدين كلهم فيما قرئنا لهم ، جزاهم الله عنا خيرا ، ولكل منهم منهجه ولي هنا منهج آخر يقوم على معرفة الفرقة عند مخالفتها لأمر هو من أوامر الله في كتاب الله العزيز فتخرج هذه الفرقة عن سبيل المؤمنين بمعصيتها لهذا الأمر وإقامتها على ذلك بعلم ، أما خلافات المجتهدين  فإنها تؤسس مدارس في الاجتهاد ولكن لا تؤسس فرق ، إنها في حدود الخلاف لا الاختلاف ، إن الخلاف أو الاجتهاد لا يُخرج أصحابه عن حدود الشريعة الواحدة ، أما الاختلاف فانه يُخرج صاحبه إلى شريعة أخرى ، إن كتاب الله قد أقر ألاجتهاد وحرم التفرق إلى فرق.
بتعبير آخر ؛ إن اختلاف الناس لا يقع إلا في حدود تعدد الشرائع ، وبما أن شريعة الرضوان هي المرجع الوحيد أو مجموعة الرصد المرجعي المعتمد في عالم التشريع ، فقد تم رصد الاختلاف وحصره بعدد من الفرق حصرا وهي ؛ ]( 71) من بعد موسى+(1) من بعد عيسى+(1) من بعد محمد = 73 فرقة ) فقط من زمن سيدنا آدم عليه السلام إلى قيام الساعة ، كل منها قد خرج عن الصراط المستقيم عند نقطة افتراق على الصراط المستقيم ، جرى تعينها بإرسال رسول من الله لكل منها ، فتم توثيق حكم الله فيما اختلف فيه الناس بينهم ، والله وحده
133

من يحكم بين الناس إذا اختلفوا ولقضائه يذعنون ، فلم يترك الله تعيين هذه الفرق التي ينفصلون بها تشريعيا إلى المجتهدين واجتهاداتهم ، لأن تسمية الفرقة والفرق هو حكم تكفل الله به ، لأنه حكم فيما تختلف فيه الناس بينهم فلا يُترك هذا الحكم إلى الناس وإلى الظن الذي لا يغني عن الحق شيئا.
قال تعالى: { ... إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ... } 3/39 سورة الزمر
 إن من فارق نبيه عند أمر هو من أوامر الله فانه قد فارق كل رسل الله وأنبياءه الذين جاءوا من بعد ذلك وعند هذا الأمر نفسه طالما لا تجد لله أكثر من دين واحد وصراط مستقيم واحد وكتاب واحد هو أم الكتاب الذي تنزل على كل رسل الله وأنبياءه إلى كل العالمين ، كما إن كل المقيمين على مخالفتهم لأحد أوامر الله الذي جاءت به رسل الله إلى كل العالمين ينتمون إلى فرقة واحدة ، فلا تكرار لهذه الفرقة على عدد المرسلين في ذلك لأن الناس كل يتبع سنن من قبله كما دلت على هذا الدلائل ، فلم نقل أمسى عدد الفرق من بعد عيسى 72 فرقة.
قال تعالى:{ قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ } 38/7 سورة الأعراف

تلك هي السبل التي تأخذ بالإنسان إلى الملل والضجر والسأم ليقع في أحضان الفسوق والعصيان والرذيلة فيدخل أبواب الشقاء والألم ثم يهوي إلى اللاشيء إلى عالم الضياع فيكتب الخاتمة بيديه بقتل النفس أو الانتحار أو أن يعيش ميتا , إنها خطوط قصيرة كما خطها رسول الله صلى الله عليه وسلم قد خرجت مفارقة
134

للصراط المستقيم ، وقد وجد أهل العلم إن قول كبراء هؤلاء القوم في حل المشكلات العالمية كان بقتل نسبة كبيرة من الناس ، فلماذا لا يباهي كل منهم الأمم بأمته ؟ لقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( تزوجوا تكثروا فاني مباه بكم الامم ).
الناجية ليست فرقة
وقد قيل إن واحدة من هذه الفرق تكون ناجية ! ، فهل ينجو من يفترق عن دين الله وصراطه المستقيم ؟ لا تتعجل الفهم فكلنا طلاب علم ، والدين هو ما شرع الله ، والفرق التي أتكلم عنها هنا هي فرق قد أرسل الله لكل منها رسول قبل مفارقتها لأمة الفطرة إلى أمة أخرى بديلة ، ذلك إن بديل الأمة هي أمة بديلة أيضا ، والبديل لسبيل الجماعة هي الفرق ، فكل فرقة هي أمة بديلة ، فهي غير الفرق التي درستها أنا وأنت في كتب علماء الدين قبل هذا ، فقل لي بربك : هل ينجو من يخرج عن سبيل المؤمنين ؟
سوف لن تقع في هذا اللبس والتناقض لو تأملت معي أخي في الله واحدة من صيغ الحديث النبوي الشريف الأكثر اتفاقا مع نصوص القرءان في هذا الباب :
عن عبد الله بن زيد عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن بني إسرائيل افترقوا على إحدى وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة ، وستتفرق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة ، قالوا وما تلك الواحدة ؟ قال صلى الله عليه وسلم : من كان على مثل ما أنا عليه وأصحابي ).
 لقد سألوه صلى الله عليه وسلم ( ما تلك الواحدة ) لأنه لم يقل إنها فرقة ، ولأنه قال إن كل الفرق في النار.
135

فالنجاة من النار لواحدة ، تجد فيها كل المؤمنين ، من الأولين والآخرين ، وهذه الواحدة ، هي الأصل ، حافظت على بقائها على الصراط المستقيم لا تدعه مهجورا ، ومن خرج افترق ، فليست هي واحدة من الفرق ، بل هي واحدة لوحدها ، إنها الناجية فحسب ، ليس معها غيرها ، لأن كل الفرق قد فارقت الأصل وهجرته ، فكل الفرق في النار ، فهذه الناجية التي لا تفارق الصراط المستقيم لوحدها وقد أخبرنا النبي إن هذه الواحدة  تعرف بصفة هي صفة كل فرد فيها : كل فرد فيها يكون على مثل ما كان عليه النبي محمد صلى الله عليه وسلم وصحابته ، وما كان النبي محمد صلى الله عليه وسلم إلا على كتاب الله ، وهكذا كان كل رسل الله وأنبياءه عليهم السلام ومن اتبعهم حق الإتباع كانوا جميعا على كتاب الله ، وكل ما أنزل على كل المرسلين هو من كتاب واحد هو أم الكتاب ، وعلى ذلك فان كل رسل الله وأنبياءه وكل من اتبعهم حق الإتباع على أم الكتاب وعلى صراط الله المستقيم ، فهذه الواحدة تدعى أمة ، وهي أمة كل رسل الله وأنبياءه وكل من اتبعهم حق الإتباع وأما بقية الناس فقد فارقوا هذه الأمة ، بعد أن كان الناس أمة واحدة ، إن التعتيم على هذا الأمر على علم هو مساهمة للحد من نور الله.
إنها أمة تبدأ بالفرد والنجاة تبدأ بالفرد كذلك ، لأن نتائج الهدى كتبت للفرد ، ومن هذا الحديث الشريف تعلمنا إن الجماعة تعرف بصفة أحد أفرادها ، وقد أقر علماء الرياضيات إن المجموعة تعرف بصفة مشتركة بين عناصرها.

إن هذه الواحدة الناجية لا تجمع مع الفرق عندما تعد الفرق ، لأنه لا يصح جمع ما لا يستويان في كتاب الله ونجد كذلك إن علم الحساب لا يصح فيه جمع ما لا يستويان.
136

ونجد في كتاب الله أمثلة على ما لا يستويان منها ؛
قال تعالى:{ لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ .. } 20/59 سورة الحشر
قال تعالى خبرا ، هو قول جنود إبليس والغاوون :{ تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ﴿٩٧﴾ إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ ﴿٩٨﴾ } 97ـ98/26 سورة الشعراء
فكان جنود إبليس والغاوون يجعلون رب العالمين مع أربابهم سواء ، فالخالق والمخلوق عندهم سواسية ، ثم يجمعون بينهما في كلمة واحدة ( الأرباب ) لتدل عليهم كافة ، ذلك لأن الإقرار بالتسوية هو حكم بالجمع ،  ولكن الصحيح لا تسوية بين الخالق والمخلوق ، كما لا ينبغي الجمع بين ما لا يستويان مثلا في كلمة واحدة.
قال تعالى:{ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ .... } 1/113 سورة الإخلاص
إن الله تبارك وتعالى واحد لا يجمع حسابيا مع غيره في كل اسم من أسماءه الحسنى ، عندما ندعوه بها ، وهكذا تكون له وحده.
قال تعالى:{ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ }180/7 سورة الأعراف
إن الأسماء الحسنى هي لله ، فلا ندعو الله إلا بالأسماء الحسنى ، وهذا القول فقط هو الدليل على توحيد الله في أسماءه ، فليس لله اسم من الأسماء غير الأسماء الحسنى ، فاستقم.
قال تعالى:{ لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } 73/5 سورة المائدة
في هذه الآية الكريمة نجد إن الحكم بالجمع هو إقرار بالتسوية ،  فقولهم ثلاثة هو إقرارهم بتعدد الآلهة ، وهذه الحالة هي عكس الحالة التي قبلها وهي : إن القول بالتسوية هو إقرار بإمكانية الجمع.
137

وفي آية الغار كذلك ؛ لم يقل ربنا تبارك وتعالى كلمة ثالث ثلاثة ، ولم يجمع نفسه حسابيا مع سيد المرسلين وصاحبه الذي هو بدرجة الصديق الذي ذكر هنا ليُضرب مثلا للصحبة وتكريما لها بالأولوية على رسول الله عندما
قال تعالى:{ إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } 40/9 سورة التوبة
وبموجب هذا الفهم لا يصح القول ؛ ملك الملوك ، رب الأرباب إذا أريد بهما الله تبارك وتعالى فردا من جماعة ، لأن هذا القول يكون فيه الخالق واحدا من بين عناصر مجموعة جمعت عناصرها حسابيا وفيه إقرار باستواء هذه العناصر في اسم جامع للأفراد ، وبما إن الخالق لا يستوي مع المخلوق ، فلا يصح إلا إن نقول : إن الله ملك وليس واحدا من الملوك ، وان الله رب وليس واحدا من الأرباب ، وهو الواحد الذي ليس كمثله شيء ، ملك ليس كالملوك ورب ليس كالأرباب ، وهو في لسان الرياضيات مجموعة أحادية في كل اسم يدعى به ، وهذا المعنى يحمله اسم الله (أحد) في لسان التنزيل ، وسبحانك اللهم رب العالمين.
قال تعالى :} قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ { 1/112 سورة الإخلاص
 وبعد أن بينت حدود هذا المفهوم يمكننا بسهولة الفصل بين مفهومي التعظيم والتعدد فيما يتشابه من القول.
قال تعالى:{ مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى .. } 3/46سورة الأحقاف
قال تعالى:{ ... مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى ..... } 8/30 سورة الروم
138

فلا يجمع حسابيا إلا المستويان مثلا ، والمستويان مثلا هما الخاضعان لوحدة قياس قد تكون هي أحدهما ، وما قيس قدر له قدره ، وما قدر له قدره تعدد ، وكل ما تعدد هو مخلوق.
قال تعالى:} وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ{ 49/51 سورة الذاريات
إن أصحاب النار وأصحاب الجنة لا يَجمع بينهما إلا الله وذلك في  يوم يدعوه الله يوم الجمع  ، يُجمع بينهم حسابيا ، يوم تستعجل الخلائق انقضاءه ، في هذا اليوم يُجمعون هم أنفسهم فيه على الأخذ بجزاء العمل ، على الامتثال والاستواء لقضاء الله رب العالمين ، ويطلبون التعجيل في ذلك ، انه إجماع على أحكام الفطرة التي خلقهم الله عليها وهذا هو حكم الله الذي فارقوا الإجماع عليه قبل هذا اليوم ، فيقف الجميع في هذا اليوم سواسية أمام القضاء والحكم بموجب شريعة الله ، ليكونوا فريقين اثنين لا فرقتين لأنهما يخضعان لشريعة واحدة ، فليتذكر ذلك اليوم من أبى العمل بإتباع رضوان الله رب العرش المجيد.
قال تعالى:{ ....َ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ } 7/42 سورة الشورى
وقبل الانتقال إلى ما يقتضينه المقال أرجوا أن تسمحوا لي بشيء من البيان والتفصيل فيما أجده يشكل حلقة من العلم وفي تجاوزها يقع كثير الزلل فيما وصلنا إليه هنا من المسائل ، فأقول وبالله التوفيق :
أجد إن لكل مجموعة عدد من الأفراد أو كما يقال لها عدد من العناصر ، وتذكر المجموعة إما بذكر كل أفرادها وإما بذكر ما يدل على كل أفرادها ، ومن ذلك اسما جامعا أو صفة جامعة أو فعلا لهم أو عليهم أو ما دل عليهم من آثارهم ، وفي ذلك تمييزأً لهم عما سواهم ليس إلا ، والفرد إما أن يكون واحدا من الأفراد وإما أن يكون أحد : بمعنى واحد أحد ، ذلك كما قلنا من قبل ؛ يعبر عن كلمة ( أحد ) في لسان الرياضيات إنه مجموعة أحادية.
139

ولا أجد دليلا على وحدانية الله إلا ما كان دليلا على الله نفسه ، ولا نجد من المسلمين من ينكر إن لله أسماء يدعى بها وهي الأسماء الحسنى وفي ذلك نص صريح في كتاب الله قد ذكرته قبل قليل ، ولكن وجدنا مجادلة وكثير من القول والمفاهيم والأحكام كانت صرحا في مسالة الصفات ، إن الصفة هي نوع من مفردات اللسان العربي ، ولا يُدعى موصوف بكل ما يُوصف به ، ولا يُدعى فاعل باسم مُشتق عن كل فعل قد فعله ، ولكن لا يُدعى كل مُسمى إلا باسمه وان كان له سميا ، فالاسم هو الأكثر ثباتا لكل فرد مما له من صفات أو أفعال ، ولذلك يفرض الاسم وجوده في كل لسان.
إن العليم هو اسم من أسماء الله الحسنى ، ومن العبادة أن تدعوا الله بهذا الاسم وحرام عليك أن تدعوا بهذا الاسم غير الله ، ولكن في الصفة عليم يمكن الجمع حسابيا أو في مجموعة كل من قد علم صوتا أو قولا أو نجوى ، من غير تكافئ بينهم أو اشتراك في كيفية أو حكم المسموع.
قال تعالى:{ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } 7/58 سورة المجادلة
إن الله معهم في نجواهم هنا بعلمه 
قال تعالى:{ إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ } 10/58 سورة المجادلة
ثم أقول وبالله التوفيق :
لماذا يعطلون بعض الصفات في كتاب الله دون بعض ؟
140

وإذا كان حقا قولهم ؛ لا يوصف إلا متعدد ، فلينبئونا بعلم إن كانوا صادقين ، ما عدد كل من : الكرسي ، اللوح المحفوظ ، بساط القدرة ، مكة ، الوادي المقدس ، الأرض التي ذكرها الله في كتابه ، أم ليس لكل من ذلك صفات ؟

وفقني الله وكل المؤمنين إلى ما فيه الخير ، وأعود الآن إلى ما يقتضينه المقال :  
لم يحرم الله الفرقة والتفرق إلا في حدود دين الله ، أو شريعة الرضوان تخصيصاً ، هذا التحريم هو دعوة إلى وحدة الناس جميعا على كلمة سواء في الأخلاق والتشريع والعقيدة ، وليس في هذا عصبية أو تحسس من كلمة أو اسم دون غيرهما من الكلمات أو الأسماء في اللسان العربي كما يُظهر المشركون في غير هذه الكلمة من تحسس ، يتمنون حذف كلمات وأسماء من اللسان العربي لأنهم يتحسسون منها.
قال تعالى:{ شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ } 13/42 سورة الشورى
وقد قلنا فيما سبق من القول إن العشائرية هي الشكل  التنظيمي للنسل وفيه يفترق الناس إلى شعوب وقبائل وأسر وأفراد.
قال تعالى:{ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ } 13/49سورة الحجرات
141

قال تعالى:{ وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ } 122/9 سورة التوبة
فلا يتفرق المؤمنون في دينهم بل يتفرقون إلى شعوب وقبائل بموجب الشكل التنظيمي للنسل وعلى كل منها فرض كفاية أن ينفر طائفة منهم ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم فهذه الطائفة هي رحم الفقهاء بموجب أمر الله بالفقه وأجدها هي الأولى بمهمة التعارف بين الشعوب والقبائل ، وكذلك بينها وبين الأمم والأحزاب ومدارسهم الفكرية على أسس علمية ، وبذلك فإنها تقوم بعملية الرصد والتحليل في مجال النشاط الاجتماعي فتلتف حول هذه الطائفة القبيلة وأسرها وأفرادها لتكون هذه الطائفة كيان متميز في المدينة ، مركزاً علميا وثقافيا ، فيكون لها صلاحيات تتناسب مع هذا الواجب الطوعي خدمة للفرد والمجتمع لتكون المرجع الأقرب لكل فرد في قبيلته وليطمئن إليه وهذا من مستلزمات ترشيد القرار والقيادة والاستفادة من تجارب الآخرين على أسس الثقة والتوثيق ، إن أعظم دور قامت به هذه المراكز العلمية في خير القرون توثيق الوثائق في نشر وجمع القرآن وعلوم الدين والسنة الصحيحة وتبني وحدة صف المسلمين.
142

علم لا يُنيب عنك علمائه


لا مفر من تحصيل العلم الذي لا ينيب عنك علمائه ؛ كعلوم الدين وفنون القتال ، إنها ليست كعلوم الهندسة والميكانيك وطب الأسنان التي ينيب عنك علمائها ، فلا يقاتل نيابة عنك أحد وان شد من أزرك غير قليل.
قال تعالى:{ فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ .... } 84/4 سورة النساء
ولا يُرفع التكليف عمن نبذ كتاب الله من وراء ظهره طالما يناله العقاب عن أداء كل أمر من التكليف في حدود مسؤولياته ، فلا معصية أو كفر إلا لأمر من التكليف عن كل وقت حان فيه ، فلا يُحاسب المؤمن عن أمر لا يُحاسب عنه العاصي والكافر والمجرم ، فكل أمر يُحاسب عنه المؤمن وغير المؤمن على حد سواء ، إنها مفردات لها حساباتها في الميزان سلبا أو إيجابا.
قال تعالى:{ وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ } 24/37 سورة الصافات
فلا أجد إعرابيا هو في كتاب الله من المسلمين قد طلب الفتوى بترك الصيام بحجة نزول كتاب الأمر بالصيام على المؤمنين ، ولا أجده مخطئ من أمر الكافر بإقامة الصلاة في أول دعوته إلى دين الله بحجة بلا دليل إن الكافر غير مكلف بالصلاة !! ، إن أهل كل لسان هم أدرى بشعابه وإن كان من بينهم الأمي.

إن دليل التدرج في تنزيل الكتاب ما كان أمرا له نص ليعمل به العبد المكلف ، فلا ينبغي التسوية بينه وبين التدرج في التعليم ، كما إن مناهج تدريس العلوم لا تسير بطالب العلم وفق جدول تأريخ الاكتشافات وتطبيقاتها في هذا العلم أو ذاك.
143

إن كتاب الله قد رسم لكل فرد في موقع المسؤولية خطوط الهدى تمر على خيارات هي من رضوان الله بين فرض وسنة وهي بعضا من خيارات التشريع أو احتمالات السلوك الممكن في النشاط الفردي أو الاجتماعي وبناء على هذا يُفترض الحضور الدائم لعلوم الدين في ذاكرة الفرد المكلف بما تعاهدها ، وأن يكون على درجة من العزم تجعله لا يُفوت على نفسه الفرصة في معرفة وأداء الخيار الأمثل عندما يحين زمن الاختيار والعمل ، ليهديه الله بما يحمل من الذكر في ذاكرته ، وعندما يكون في فسحة من أمره فان الفرد المسلم مأمور بالأخذ بأسباب العلم والفقه في الدين وتذاكر هذا العلم بتعاهده ليكون حاضرا في ذاكرته.
قال تعالى:{ وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا }  115/20 سورة طه
ولا تؤخذ آيات الله إلا بالقراءة ، فكان أول أمر لله في كتابه اقرأ ، على ترتيب أحكام التنزيل ، فاقرأ ما كتبه القلم ، وما تعلمه الإنسان وكان لا يعلمه ، إن في هذا فضل من الله وكرم.
واعلم إن الناس لم يتفرقوا في قراءتهم لما في الكون أو الطبيعة ولكنهم تفرقوا في قراءتهم لرسالة الله رب العالمين إلى فرق كل منها امة وحزب ، إن هذا التفرق لم تأمرهم به رسالة الله كما إن رسالة الله قد حرمت هذا التفرق ، وان كلا القراءتين هما قراءة واحدة لأم الكتاب.
144

دعوني أقرا بقلبي لا بقلوبكم


إن القراءة عملية فردية ، وتبدأ بالفرد ، فدعوا الفرد يقرأ بنفسه في الدنيا كما يقرأ كتابه بنفسه في الآخرة ، إنها القراءة بالفطرة ولا ريب ، لا تكونوا حاجبا بين الفرد وما يقرأ بحجة حاجته إلى التعليم.
إن القراءة الفردية في كل علم لا تنفصل عن إمكانية التفسير أو الاجتهاد أو الاستنباط الشخصي لكل ما يُقرأ ، وان ما نقرئه لا يحتاج لوجوده ونظامه وصفاته وقوانينه وحركته إلى قارئ ، كما إن ما نقرئه لا يحتاج ما يحتاجه القارئ كالتفسير أو الاجتهاد أو الاستنباط.

إن قراءة وتفسير واجتهاد واستنباط المخلوق قد يخطئ فيها أو يصيب وقد يصدق فيها أو يكذب وقد يخفي منها ما يخفي وتكون قرأته قابلة للتغيير بعد كل حين ، وهي خليط من الظن واليقين ، فليست هي رسالة كاملة تامة ، ولكن لابد منها في الممارسة والتعليم.
أما القراءة الكاملة التامة الخالية من النقص والظن والكذب ولا تحتاج إلى تحديث لما فيها من علم ، وفيها آيات في آفاق العلم والتاريخ هي أنباء لما سيشهده الناس وعلمائهم في كل طريق يسلكون ، إنما هي قراءة وتفسير واستنباط رب العرش المجيد خالق كل شيء وعالم الغيب والشهادة الفعال لما يريد ، إنها قراءة لأم الكتاب ولرسالة الخالق إلى المخلوق التي أنزلها على كل المرسلين الذين أرسلهم بموجب أحكام التنزيل ، إلى كل العالمين من الأولين والآخرين ، إنها رسالة فيها آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات هي
145

جسور بينك وبين تحصيل علوم المحكم من الكتاب ، وليست هي كل الجسور فان ما يشهده المخلوق من قراءات للكون والسلوك كلها جسور لتحصيل علوم المحكم من الكتاب ، فعلى المؤمن أن يعمل وان يكون شاهدا على عمل العاملين.
ما كان الناس يأخذون فهمهم لدين الله من أحد قبل أحكام كل من نصوص الكتاب وأحكام لسان التنزيل ، لسان رسالة رب العالمين ، فهما معا حجة الله على العالمين ، لذلك كان خاتم الأنبياء والمرسلين يأمر آلهِ وصحبه ( بلغوا عني ولو آية ) ، فبين الحد الأدنى للتبليغ ، وجعل وحدات التبليغ هي آيات من الكتاب ، لكي يسمع كل فرد من الإنس والجن قول خالقه بحروفه وكلماته نفسها ، فلا يغني عن قول الله قول أحد من خلقه ، نبيا كان أم وليا من الصالحين ، فالنبوة لا تغني عن الرسالة ، ولكل من النبي والرسول عمله ، إن هذا الأمر من النبي ليس فيه تقليل من شأن سنته الصحيحة أو إلغاء لدورها العظيم الذي نصت عليه رسالة الله إلى كل العالمين ، ولا هو بقول مرحلي يتغير بتغير المرحلة ، إن هذا الأمر من النبي هو مبدأ في الدعوة والتشريع معا لا يمكن الفصل بينهما ، فكانت الأولوية لقول الله على قول أنبياء الله في الدعوة والتشريع.

لقد كان التفسير والاجتهاد والاستنباط الفردي معمول به أثناء تنزيل رسالة الله رب العالمين ، ولم يُحرمه الله في كتابه العزيز ، ولم ينهى عنه الرسول الكريم ولا خليفة راشدي من بعده على الرغم من بعض النتائج السلبية في ذلك والتي ظهرت في تلك الفترة من حياة المسلمين لأنه حق لا إكراه فيه ، ونجد تشجيع وإقرار النبي لبعضهم في التفسير والاجتهاد والاستنباط وإشرافه على أداء بعضهم في ذلك ، عندما أشرف على ممارستهم للقضاء وهذا مثلا لا حصرا.
146

وما كان ليحظى التفسير والاجتهاد والاستنباط بهذا الإقرار والتشجيع إن كان في ذلك حقا تأسيس لما هو محرم ، تأسيس لفرق تفرق الأمة وتجعلها كالباحث عن المدية ، هذه مسألة تقتضي منا التأمل بصبر وحكمة وبالله التوفيق.
قال بعضهم إن التفسير والاجتهاد والاستنباط في حدود رسالة الله هو عمل خاص لآل بيت النبي محمد صلى الله عليه وسلم ، أقول وبالله التوفيق :
1 - إن هذا الأمر يخص الكتاب ، فلا يؤخذ هذا القرار إلا من الكتاب نفسه ، وقد أمر الله نبيه في الكتاب بالقراءة عموما وان يبين للناس ما في الكتاب خصوصا ، وان من خلق الإنسان قد علمه البيان ، وبيان الأنبياء له الأولوية على بيان العلماء ، لأن الله قد قال في كتابه في وصف نبي الرحمة ( وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى ) وهذا في حدود بيان الكتاب كما ظهر ذلك من الأدلة ، ولا يوجد أمر من الله في كتاب الله إلى آل النبي يأمرهم فيه ببيان كتاب الله ، ولم يصفهم الله في هذا الشأن كما وصف نبي الرحمة.
2 - إن التفسير والاجتهاد والاستنباط من أحكام القراءة ، والقراءة من تطبيقات العلم والتعليم ، وهي أمر من التكليف لكل فرد من الأنس والجن عمليا.
3 - إن النبي محمد صلى الله عليه وسلم واله الأطهار وأصحابه رضي الله عنهم أجمعين ، وهم أهل القرن الأول ، وهم خير القرون ، ما تركوا لنا جميعا إلى جنب كتاب الله كتابا آخر كتبوه بأيديهم ، أو أمروا أحدا بكتابة مقالاتهم بالنيابة عنهم ، فاقرءوا لنا كتابا كتبه أحدهم بيده أو كُتب بأمره فنتبعه إن كنتم صادقين ، لقد كانوا أكثر منكم علما ومخافة من الله فبرءوا أنفسهم مما يختلف فيه الناس من بعدهم ، وإن ما نُسب لهم من قول فانه لم يظهر للناس إلا بعد أن ذاقت أنفسهم الموت.
4 - وأخبرنا النبي محمد صلى الله عليه وسلم في نبأ أن أخيه عيسى بن مريم عليه السلام عندما يُنزله الله إلى الأرض بين يدي الساعة سوف يقوم بحرق كل
147

الكتب الدينية التي ألفها الناس وعلمائهم إلى جنب كتاب الله فلا يبقي منها غير كتاب الله القرءان الكريم.           
5 - إن سأل سائل : أي الاثنين هو أكثر وفاءاً بالعهد ؛ آل كل نبي أم بنيه ؟
فان قال أحدهم : إن بني كل نبي لهم الأولوية في ذلك على آله ، لأن بنيه هم علماء الأمة فالعلماء هم ورثة الأنبياء ، وبناء عليه قالوا اعصبها برأس عالم واخرج منها سالما ، انه ميراثهم فلهم به ما يفعلون.
أقول وبالله التوفيق : إن الله يوجه خطابه في عدد من الآيات في كتابه العزيز إلى بني إسرائيل ليكشف لنا أنهم كانوا على رأس المخالفين لدين أبيهم يعقوب عليه السلام ، وبني إسرائيل هم القليل من بين الذين آمنوا بما جاء به يعقوب عليه السلام من ربه.
قال تعالى:{ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ } 40/2 سورة البقرة
إن هذا السؤال وجوابه لو كان مدخلا مشروعا يعول عليه لما ذهب الله به ، فلا تستطيعون أن تعصبوها برأس عالم من بني خاتم الأنبياء والمرسلين من بعد ذلك.
قال تعالى:{ مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا } 40/33 سورة الأحزاب
وأجد أن السارق للخلافة من قبضة أئمة الدين قد نال نسبة عالية من الولاء في أكثر المجتمعات وكذلك قد جعل أئمة الدين بعيدين عن الخلافة وجعل منهم المرشد والواعظ ليس إلا ، لا بل أبعدهم حتى عن القضاء ، ليحفظ كرسي الخلافة منهم وهو صاحب الفتوى اعصبها برأس عالم من بنيه وان لم يأتي به من بنيه يأتي به من آله أو من مواليهم ، وظيفة لا تفتقر إلى شاغل مكان من بين
148

خريجين يتم إعدادهم لذلك ، انه استثمار بذكاء خبيث لانتماء أئمة الهدى وأئمة الضلال معا إلى شجرة الأنبياء والمرسلين في النسب.
إنها شجرة كان فيها نوح عليه السلام مع ابنه وسيدنا إبراهيم عليه السلام مع أبيه و العباس رضي الله عنه عم النبي مع أبي لهب وهو عم النبي أيضا.
قال تعالى:{ وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ } 124/2 سورة البقرة
ولمن قال ( واخرج منها سالما ) في جوابه الذي ذكرته قبل قليل ، أقول وبالله التوفيق: إن السُنة السيئة ينال كل من عمل بها أو سنها وزر معلوم ولا يحمل احدهما من وزر الآخر شيء ، ويتكرر الوزر بتكرر العمل ، هذا ما تدل عليه الأدلة ، ولا يحمل أحدا ذنبا فيحمله عنه غيره ، فكل لا يحمل إلا ذنب نفسه ، والمثل في ذلك لا يحمل رحم حمل رحم أخرى من نكاح أو سفاح ، وجاء هذا المثل في كتاب الله في آية واحدة جمعت المحكم مع بيانه.
قال تعالى:{ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ }  18/35 سورة فاطر
قال تعالى:{ وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ ﴿٤٧﴾ قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ }  47ـ48/40 سورة غافر
آل الرجل وبنيه
وأجد من المفيد هنا معرفة دلالة كلمة : آل الرجل :
فأقول وبالله التوفيق : إن كلمة ( آل الرجل ) كلمة متداولة في لسان أهل الجزيرة قبل نزول القرءان الكريم ، دعت إلى ظهورها مبررات اجتماعية ، ذلك إن بعض
149

القبائل يكون فيها رجل هو أكثر شهرة من قبيلته ، وقد يُقدم اسم الرجل هذا على اسم قبيلته ، فيقال لقبيلته إنهم آل هذا الرجل ( آل فلان ) ، أما ( بني فلان ) فهم ذرية أو أولاد هذا الرجل نزولا ، وعليه فان كل رجل يكون بنيه هم بعض من آله ، ولذلك قال خبراء الأنساب إن القبائل آل و بني ، وقولهم هذا هو حكم من أحكام العرف الاجتماعي ، وقد أمرنا الله بموجب النص الصريح في كتابه العزيز أن نأخذ  ونأمر بالعرف وبذلك تكون للعرف الاجتماعي الأولوية على الاجتهاد عندما لا يأمر العرف بمعصية الله ورسوله ، تلك هي الأحكام التي تجمع عليها الغالبية من الأمة ، ومن الأدلة على ذلك : اعتماد أحكام العرف الاجتماعي في التسعيرة وهذه مسألة عظيمة في نظام المعاملات المالية ، فأحكام الدلالة في كلمة ( آل الرجل ) المأخوذة من العرف الاجتماعي لها الأولوية على اجتهاد المجتهدين في أحكام الدلالة لها ، فلا ينبغي الكيل بمكيالين في أحكام الدلالة لها : مكيال في قبيلة قريش ومكيال آخر في غيرها من القبائل ، وكلنا يعلم ما تدل عليه هذه الكلمة في كتاب الله عندما نقرأ فيه آل إبراهيم وآل عمران وآل موسى وآل هارون .... ، فالناس في آل الرجل لا تاخذ من اعمامه وعشيرته بعضهم دون بعض فعلام نعمل خلاف ذلك في آل محمد صلى الله عليه وسلم ؟.  
قال تعالى:{ خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ } 199/7 سورة الأعراف
 وأجد أن كل قبائل أهل الجزيرة تتخذ إقراراً يقضي بإهدار دم بعضاً من أفرادها أحياناً ، ولكن لم أجد أي منها يقر ويقضي بشطر آل الرجل إلى شطرين تأسيساً على كراهية أو مصالح مادية ، ولكن هذا المبدأ موجود وهو مخالف لسنن قبائل أهل الجزيرة ولا يتشدق به إلا الغرباء عن القبيلة الذين يتمنون أن يقع فيها ، فمن يدعي حب شطر من قبيلة كاذب يخفي كرها لكلا الشطرين وهو غريب عن القبيلة ويضمر لها العداء.
150

البيان :  إن البيان من التعليم وذلك بإقامة أو تتبع الدليل إلى منتهى أمر ، وذلك بوصل البصر بالبصر أو النظر بالنظر في الهدى أو العمل أو الاستشعار عن بعد ، وفيه تقع الفراسة وخطوات التنفيذ والعمل وتتبع الأثر ... .

التفسير:   هو طريقة الوصول إلى تعبير علمي عن الظاهرة ، باستخدام التفكيك والتحييد والحصر ، لبيان أصغر الأجزاء أو الوحدات أو العلاقات المعبرة عن ظاهرة بعينها بشكل مستقل ونهائي ، وكذلك هو بيان الأجزاء والوحدات وعلاقاتها والتراكيب الحاصلة منها في كل حقل من حقول العلم ، وأجد إن أشهر العلوم في التفسير هي الكيمياء والتحليلات المرضية والنحو ، والنحو يختص فيه علماء اللسان ، ومنهم علماء اللسان العربي ، ولا أقول علماء اللغة العربية.
قال تعالى:{ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً وَهَذَا كِتَابٌ مُصَدِّقٌ لِسَانًا عَرَبِيًّا لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرَى لِلْمُحْسِنِينَ }  12/46 سورة الأحقاف

إن كلمة ( لغة ) فعلها الثلاثي ( لغي ، يلغو ) واللغو هو نباح الكلب ، أو الكلام الذي لا فائدة منه ، ومن الأدب أن لا يصح وصف لسان التنزيل باللغو ، وبالأخص من قبل الذين جاءوا لخدمة هذا اللسان ، ولم يستدعيهم احد ، ومن الإيمان تقديم خيارات الخالق على خيارات المخلوق ، وقد ذكر الله كلمة ( لسان ) في كتابه ولم ترد فيه كلمة ( لغة ) وقال في الإلحاد إنه ( لساناً أعجميا ) ولم يقل لغة أعجمية ، فكان الأجدر بهم أن يقولوا مثلا : قواعد اللسان العربي بدلا من قولهم قواعد اللغة العربية ، وفي اللسان العربي عدد من العلوم المختصة منها ؛ النحو والصرف والمعاني والبديع والبيان والبلاغة ... .
151
قال تعالى :} ... لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ { 103/16 سورة النحل.
 وفي تفسير نصوص الكتاب أولويات فمنها ما يتقدم على تفسير الفرد المسلم :
1 - تفسير الكتاب بالكتاب ، ذلك أن علم الكتاب من الكتاب ، وكتاب الله هو مرجع للعلماء في لسان التنزيل كذلك.
2 - تفسير الكتاب بالسنة ، بتعبير أصح ؛ بيان الرسالة بالنبوة ، بما تحمله من قول للنبي أو تطبيقه العملي لأوامر الكتاب أو وما أقره عن رضاً ، وكان في ذلك بيان لنصوص وأحكام رسالة الله ، وان أول دليل على السنة الصحيحة هو أن لا تخالف نصوص كتاب الله.
3 - تفسير الكتاب باستنباط أولي الأمر منكم ، ويدعوهم البعض : أولي الحل والعقد ، لقدرتهم على الااستنباط ولامانتهم.
قال تعالى :{ وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا } 83/4 سورة النساء
4 - اختيار الفرد المسلم من أقوال آل النبي الأطهار وأصحابه الذين رضي الله عنهم في كتابه العزيز وأقوال علماء المسلمين الأفاضل ، كل قول بما له من ترجيح علمي عملا بقوله تعالى : ( وأمرهم شورى بينهم ).
التأويل :  هو عملية الوصول بالشيء إلى ما يؤول إليه ، إلى خاتمته ، إن خاتمة كل شيء هي من الغيب ، وقد قلنا فيما سبق إن الغيب علم وأنباء ، وكل شيء من حيث التأويل لا تعرف خاتمته إلا عن طريق علم الغيب فهذا لا سلطان بأيدينا يوصلنا إلى معرفة خاتمته إلا أن نصل زمان ومكان وقوع ذلك فعليا فنكون حينها عليه من الشاهدين ، وكل شيء من التأويل يمكن معرفة خاتمت   
                                                                             152

عن طريق أنباء الغيب فهذا لنا إليه أدلة نرجع إليها وهي السبيل والسلطان إلى معرفة خاتمته ، ومن هذه الأدلة ؛ كتاب الله ثم السنة الصحيحة ثم نتائج الحسابات العلمية المستمدة من العلوم التجريبية الخاضعة لشروط البحث العلمي ثم أنباء الشهادة على وجه الحق ، ولا أقول الأنباء الحقيقية لان الحق لا زوج له أو اسم مؤنث يُدعى الحقيقة ، ثم أنباء الصناعة والتجارة والسوق والأثر والآثار والملامح والتاريخ والأنساب التي تؤخذ من الخبراء في كل من ذلك وكل خبر حمل شروط النبأ.
أما تأويل الرؤيا :  فيؤخذ من أنباء الغيب لأن الرؤيا جزء من أجزاء النبوة ، والنبوة الأصل فيها النبأ ، ويؤخذ كذلك من تأويل الأحاديث ، فالرؤيا نبأ يعبر بنبأ.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( رؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعون جزء من النبوة ) صحيح مسلم ج9 باب في التعبير.
وقال في نفس المصدر أيضا : ( لم يبقى من النبوة إلا المبشرات ، قالوا وما المبشرات ، قال الرؤيا الصالحة ) وأحكامها في حدود المسؤولية الفردية.
أما تأويل الأحاديث :  فهو ما ينبئ به كل حديث وخاتمة ما يحمله ، وما يستنبط من الحديث من أنباء ، بعد فصل كل خبر لا يحمل شروط النبأ ، ومن المفيد كذلك قراءة المعطيات والإمكانيات والاحتمالات والدلالات العلمية التي يحملها الحديث والدوافع والأهداف واحتمالات الواقع والوقوع.
قال تعالى:{ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ } 7/3 سورة آل عمران
153

1 - فالراسخون في العلم يتبعون آيات الله ، المحكم منها والمتشابه ، ولذلك يقولون ( آمنا به كل من عند ربنا ) ،  وتلك شهادة لهم ودليل مرشد عليهم.
2 - إن القول بأن الراسخون في العلم يملكون من تأويل الكتاب ما لا يملكه غير الراسخون في العلم يراد منه على صحته أن يكون محاولة لزرع الشك في صدور المؤمنين بوجود أنباء أو علم مجرد لا يباح به إلى غير الراسخون في العلم ، وهذا اتهام للخالق والمخلوق معا ، ولكن الله ينسف هذه الفرضية العرجاء عندما
قال تعالى:{ إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ }  159/2 سورة البقرة
3 - فالهدى والبينان قد أنزلها الله إلى الناس كافة بلا استثناء وما يكتمون إلا ما تم بيانه للناس في الكتاب فان اتبعت الكتاب وهو كتاب محفوظ فلا ضرر عليك في ذلك.
4 - فليس لله خاصة في تأويل الكتاب من بين العالمين ، إنهم يتمنون على الله الأماني ، وبذلك تتضح صحة الوقوف بعد لفظ الجلالة في قراءة الآية السابعة من آل عمران فيما نقل القراء من قراءة النبي محمد صلى الله عليه وسلم.
الاجتهاد : قالوا الاجتهاد ؛ هو قول فيما ليس فيه نص في كتاب الله ، أقول وبالله التوفيق ؛ ليس من شيء إلا وله ذكر وتبيان في كتاب الله بطريقة من طرق الذكر والتبيان ، والأشياء حاملات للصفات الخاضعة للتشريع لتجري بهدى ورحمة.
قال تعالى:{ ... وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً ... } 89/16سورة النحل
فالكتاب المنزل تجد فيه لكل شيء تبيانا ، وما ذكر تبيانه كيف لا يكون مذكورا ؟

154
فالكتاب المنزل برنامج تشريعي لتبيان أو تفعيل ظهور كل شيء ثم يأتي فيما بعد بيانه بما تعلم الإنسان من البيان فهو الوسيلة. 
قال تعالى : { .... مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ... } 38/6 سورة الأنعام.
قال تعالى :{ الرَّحْمَنُ ﴿١﴾ عَلَّمَ الْقُرْآنَ ﴿٢﴾ خَلَقَ الْإِنْسَانَ ﴿٣﴾ عَلَّمَهُ الْبَيَانَ ﴿٤﴾ }  1ـ4/5 سورة الرحمن.
فلا تفريط في تبيان كل شيء في الكتاب المنزل كما انه هدى ورحمة.
قال تعالى: { ... وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا } 87/4 سورة النساء.

فأجد إن الاجتهاد هو قول فيما خفي علينا ذكره أو تبيانه في كتاب الله ، وفي قولي هذا في الاجتهاد اعتراف بقلة علمنا وتنزيه لكتاب الله عن النقص وغلق لباب في النص الشائع المعروف في الاجتهاد لكي لا يخرج منها جاهل يريد أن يكون شريكا لله في التشريع واجد قولي هذا هو صياغة جديدة لرد على علم بالأدلة لدعواهم بالنقص. 
قال تعالى:{ ..... الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا .... } 3/5 سورة المائدة.
فلا ينبغي نفي وجود نص فيه تبيان لشيء ما في كتاب الله عندما يضطر العلماء الأفاضل إلى الاجتهاد فيه ، لأن خفاء الشيء ليس دليلا على عدم وجوده ، لأننا أوتينا كتاب كامل وعلم بالكتاب قليل نحن ومن يحاجنا فيه.
قال تعالى:{ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا } 85/17 سورة الإسراء.
وما كان الأنبياء فيما بينهم عليهم السلام ولا العلماء الأفاضل فيما بينهم على درجة واحدة من العلم ، فالنبي وغير النبي قد يجتهد بحكم الضرورة ، والملائكة
155

قد يجتهدون أيضا ، وكل مجتهد منهم جميعا قد يخطئ وقد يصيب ، فلكل درجة من العلم ، ولذلك نجد خلافا بين المجتهدين ، فوجود الخلاف دليل واعتراف على إمكانية الخطأ ، فمما جاء في الحديث الصحيح وجود الخلاف في الاجتهاد بين الملائكة في رجل قتل مائة نفس ، ليكون مثلا ضُرب في السنة الصحيحة.
وضرب الله لنا مثلا قبل ذلك في كتابه العزيز انه قصة موسى مع أخيه الخضر عليهما السلام ، فوجدنا بالوحي قد تقدم اجتهاد الخضر على اجتهاد موسى في ثلاث من الأحكام فيما لم يُنزّل على موسى من الأمر الذي كان في مدار البيان حين التنفيذ ، وهذه أسبقية للخاص على العام ، أسبقية الهدي المباشر على هدي الأحكام العامة أو الآيات المحكمات في ضمان دقة التنفيذ وسرعته والعلم بمواقع الحكم.
فكان مثلا فيه توضيح عملي على إمكانية الخطأ في الاجتهاد والخلاف فيه بين الصالحين وان كانوا على شريعة واحدة ودرجة عالية من تقوى الله ومخافته بشهادة من يزكي الأنفس ويختار من عباده.

إن خير اجتهاد هو الذي يزيل الحاجة إلى الاجتهاد ، ويدعى الاستنباط ، لأنه يكشف حلقة من العلم تجعل الذي يقال له ( ما لا نص فيه ) واقعا فيما يدل عليه النص الصريح في كتاب الله ، فتزول بذلك الشبهات علميا ، وهذه سنة للترجيح بين اجتهاد وآخر ، إنها سنة الخلفاء الراشدين جاءت في التطبيق ، وقد فهمناها من واقعة حسم مسألة الفيء ، فكانت تطبيقا عمليا لأمر الله بالاستنباط ، وهو أعلى درجات الاجتهاد عمليا ، فالاستنباط يأتي على دفعات كدفعات الماء في قرار البئر ، ولا تأتي إلا قدر سد الحاجة إليه.
قال تعالى:{ أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا ﴿٨٢﴾ وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى
156

الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا ﴿٨٣﴾} 82ـ83/4 سورة النساء.
فالاجتهاد هو بديل لا يُغني عن الحق الذي هو قيد الاستنباط إلا أن يأتي به ، والاجتهاد يقع وسطا بين التشريع المعلوم والمخالف له ، أي بين ما له دليل على صحته وما له دليل على مخالفته ، فالاجتهاد لا دليل على صحته ولا دليل على مخالفته ، انه نظرية أو مشروع دراسة ، وأوضح مثال أضربه هنا ولا نجد فيه تحيز أو مصالح ويمكن القياس عليه بأمان وهو من التطبيقات العلمية والعملية على الاجتهاد التي نجدها في العلوم المادية أو الطبيعية ومنها علم الفيزياء :
 لقد اختلف علماء الفيزياء في الاجتهاد في أصل الضوء إلى نظريتين ، النظرية الدقائقية والنظرية الموجية ، الفريق الأول يظنون إن أصل الضوء هو دقائق مادية والفريق الثاني يظنون إن أصل الضوء هو حركة موجية ، وقد قلت من قبل ؛ ( إن النظرية هي افتراض علمي لا يفسر إلا بعض مظاهر الظاهرة ولذلك لا ترقى إلى درجة القانون ، وتفندها المظاهر التي لا تفسرها من نفس الظاهرة ، فالنظريات تفند بعضها البعض الآخر ).
فالاجتهاد هو ظن يؤخذ به بحكم الضرورة ، ويذم منحه الإتباع ، لأنه ليس من هدي التنزيل ، ولا يذم الظن نفسه لأن بعضا منه ليس إثم بل لابد منه إلى حين ، فلا يصح الوقوف عنده أو الانتهاء إليه بغلق منافذ البحث أو سُبل الأخذ بالأسباب.
قال تعالى:{ وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ } 36/10 سورة يونس.
ولنا في اجتهاد موسى عليه السلام قبل أن يلقى أخيه الخضر موعظة.
157

إن الضرورة إلى الاجتهاد تولد في رحم العمل أو التطبيق لا في نواد الترف الفكري أو النظري لأن الموجبات النظرية لا ترقى إلى مستوى الموجبات الفعلية للاجتهاد وتُخرجه عن أرض الأسباب الموجبة وتُدخله في أحكام النهي والتحريم
قال تعالى:{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ } 101/5 سورة المائدة.
إن عدم الفصل بين الحكم التشريعي والأسباب الموجبة له أو بين القانون والظاهرة هو مبدأ يقره العلم والعلماء ، إن كتاب الله قد تم واكتمل بفضل الله ولكن ما يؤتنا الله به من علم بالكتاب فانه مستمر ما بقيت الحاجة إلى الاستنباط ، فالاستنباط هو القراءات المدخرة المتوالية أو انه استعراض للرؤيا المتجددة للآيات والتنزيل في كل الآفاق ، آفاق التجربة والعلم والتاريخ ، وهنا يعمل اختصاص الإعجاز القرآني ، لبيان التأويل العلمي في هذه القراءات.
إن الضرورة ابتلاء ، يأخذ بك إلى أحد سبيلين ؛ إما إلى تحصيل العلم وإما إلى فضيحة الجهل المطبق.
لقد فاز الاستنباط بنص هو أمر صريح في الكتاب ، أما الاجتهاد فلم يحظى إلا بإقرار كتاب الله والسنة الصحيحة معا ، هذا الإقرار يناظره إقرار مزاولة المهنة لطالب العلم ، وفق مقتضيات الممارسة أو التجربة.
إن الوسط الذي بين التشريع المعلوم من دين الله والمخالف له لا يسبح فيه الاجتهاد لوحده بل نجد فيه أوامر أولي الأمر ونظم وتشريعات لا بد منها في تنظيم الحركة والنشاط الاجتماعي في حدود شريعة الرضوان وأوامر الفرد نفسه وما هو على قياس ذلك.
إن الأداء والعمل يستلزم العلم بمجموعة من الأدلة تكتب لنا خطوات تصميم الأداء أو العمل ، وقد يُكتسب الأداء أو العمل بالتقليد بعد المشاهدة ، وهو أقصر
158

الطرق على من لا خبرة له في تحصيل مجموعة الأدلة هذه وترتيبها والعمل بموجبها ، والتقليد هو من وسائل التعلم والتعليم ، والأخذ بالتقليد هو سنة ربانية أولا ونبوية ثانيا وتجريبية ثالثا ، لقد ضرب الله لذلك مثلا هو تعلم أداء الصلاة ليكون هذا المثل برنامجا في تعلم أداء أوامر الله إلى قيام الساعة ، وذلك عندما صلى جبرائيل عليه السلام بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم ، فعلينا باستمرار إعادة قراءة وتقييم أدلة كل ما أخذناه من المجتمع أو العلماء بطريقة التقليد لكي لا نعمل بعلم لا نفقه فيه ولكي نقتلع كل قول أو عمل ما كان لنا أن نأتي به لولا الجهل ولكي نكتسب ممارسة الفقه وتتبع أدلته.
159

الإرادة المشروعة

إن كل ما أمر الله به وكان من شريعته التي يهدي بها العالمين إليه والى الفوز بجنتيه أو جعله عاصما من غضبه وعقوبته أقول له الإرادة المشروعة أو شريعة الرضوان اصطلاحا.
إن ترويض النفس للتسليم لأوامر الله المشروعة هو عبـادة تقود بها نفسك فتنجو وإياها إلى جنتي الكريم بالإسلام ، وإذا استطعت أن تجعل هواها تبعا لما أنزل الله في كتابه كنت فائزا وإياها بالوصول إلى سلم الأيمان الممتد من بعد سلم الإسلام ، بل هما مرحلتين من سلم واحد ، وعلى هذا السلم ( الأيمان ) ودرجاته تجد نفسك تعمل بأمر الله طوعا لا بالإكراه.
قال تعالى:{ وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ } 99/15 سورة الحجر
ولا عقل لمن عبّد طريقا في أرضه لكي لا يسلكه فيما بعد ، فالعبادة تقتضي السعي لإزالة مقاومة النفس للطاعة ، فإذا زالت هذه المقاومة كانت الطاعة خالصة لله لا يصرف منها في مقاومة النفس شيء يذكر , فتكون العبادة في أعلى درجات الكفاءة ، والعبد في أعلى درجات التسليم ، ليفوز بالدخول إلى سلم الأيمان ، انه الفوز باليقين والإخلاص في الدين ثم يواصل المسير.
إن كل مسلم هو داعية ، يدعو إلى الله إلى دين الله إلى تقوى الله ومخافته إلى الإخلاص لله إلى جنة الخلد ، إلى إصلاح النفوس ليرقى إلى السِلمِ والأمان ، إلى مكارم الأخلاق ، إلى اجتناب الاختلاف والتفرق ، إلى وحدة الناس ، إلى الجماعة.
إن أول مشروع للمسلم في دعوته هو دعوة نفسه الأمارة بالسوء ، فان أفلح كان هو ونفسه من الفائزين وإلا قد غلبته نفسه ، فيكون هو ونفسه التي قادته

160
في كل ما تبع ذلك من الخاسرين ، فاستر نفسك أخي المسلم أولا لأن فيك سَوْءَات والنفس الامارة بالسوء عورة تُستر بخير لباس هو التقوى ، وفي هذا المشروع تكتسب الخبرة في الدعوة ولتواصل المسير.

إن أي فرد من العالمين لا يتمكن من معرفة الاختيار الأمثل من بين الخيارات الممنوحة أمامه في حدود الحاجة الى الهدى إلا أن يقرأ شريعة موثقة تأتيه من الخالق يحملها الثقات عند الله من خلق الله ، وذلك بعلم الله واختياره وتزكيته وأمره ، فمن الأعراف أن يكون الرُسل من خيارات المُرسِل ، وعلى ذلك جاء الروح الأمين ورُسل الله وأنبياءه عليهم السلام أجمعين.
قال تعالى:{ اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ } 75/22 سورة الحج  
وتكفل الله بحفظ كتابه القرآن الكريم إلى اليوم الذي يرفع فيه الكتاب إلى السماء وذلك بعد أن اكتمل فيه النص الكامل لرسالته إلى العالمين ، والحمد لله رب العالمين.
وليس على الفرد من بعد ذلك إلا ترويض نفسه ودعوتها للتسليم لأوامر الله المشروعة وصولا إلى الامتثال الطوعي لهذه الأوامر ، ولو عند أول درجة في سلم الأيمان ، هذا كله بالنسبة لأي فرد من العالمين ولكن كيف استطاعت كل ذرة ودقيقة من دقائق الكون أن تجري على مسار الاختيار الأمثل وفق أوامر الله المشروعة ، وفق رضوان الله ، إنها كذلك ، وهذا الذي نراها عليه ، فهي لا تحيد عنه مثلما لا تحيد الكواكب والنجوم عن مواقعها المقررة في مسارها ، كان لها ذلك لأن كل مادة من مواد الأرض والدخان الذي خلق الله منه السموات رضيت أن تجري وفق أوامر الله المشروعة عند أول درجة من درجات الأيمان وباجتياز أعلى درجات التسليم لأوامر الله وبتنقية الهوى من شوائب الإكراه التي تفصل
161

بين ملكوت الشيء ونفسه ، لتأتي أمر الله طواعية وبكفاءة عالية ، رضيت بالدرجة التي يبدأ عندها إخلاص الدين لله ، والتي يكون عندها المخلوق في أحسن تقويم خلقه الله عليه ، ثم تلي هذه الدرجة الدرجات العُلى لمن أراد من العالمين فسعى ولكنها لم تجازف باختيار الدرجات العُلى ، إن من أراد الدرجات العلى فانه سوف لا يتحرك وفق القوانين كخيار وحيد لحركته وإنما عليه أن يتحرك وفق برنامج الخيارات التي منحها الخالق للمخلوق ، على أن يتقبل حمل الأمانة  التي عرضها الله على السموات والأرض ، الأمانة هي الخلافة ، خلافة الله فيما يأمر به ، وهي الحركة والعمل بموجب شريعة الرضوان وأن لا يقرب حدود الله أو ما شرع الله من الخيارات الأخرى ومنها محارمه ، إذا كان يخشى الوقوع فيها وتحمل عقاب ذلك وقد يؤدي به هذا إلى الخسران فيخسر الجنة.    
قال تعالى:}إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا {72/33 سورة الأحزاب
 قال تعالى:{ ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ } 11/41 سورة فصلت
قال تعالى:{ فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ ﴿٧٥﴾ وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ ﴿٧٦﴾ }  75-76/56 سورة الواقعة
قال تعالى:{ ... بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ ... } 83/36سورة يس
لقد اختارت التسليم لفاطر السموات والأرض بموجب ما فطرها الله عليه ، فلا تخالف الله في فطرتها أبدا ، لذلك كانت حركة كل ذرة ودقيقة من دقائق الأرض والسماء ثابتة بموجب القوانين العاملة في نظام الكون فلا تحيد عنها أبدا ، فلا تحتاج لذلك إلى رسالة أو رُسل أو خيارات متعددة لأن هديها مباشر وفق القوانين ، فطاعتها لله بالقوانين والقوانين من الثوابت ، إن هذا القول يدركه العقل ولكن يعجز أحدنا أحيانا عن تصور وقوعه عمليا ، ذلك إن التصور قد لا
162

يصل إلى ما يصله الإدراك بنفس السرعة ؛ فعند إجراء مقارنة بين بعثرة دقائق جسم الميت بعد مئات من السنين  بتفرق عدد مماثل لها لأفراد جيش نظامي لأيام في الأرض ثم دعوة كل من الطرفين إلى الاصطفاف إلى ما كانوا عليه تكون عملية المقارنة بين الاثنين صعبة جدا ، فضرب الله لذلك مثلا في كتابه العزيز. 
قال تعالى:{ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } 260/2 سورة البقرة
فصرهن إليك : بخلط أجزئهن من دم ولحم وريش ببعض

فالقوانين التي تتحرك بموجبها ذرات ودقائق الأرض والسماء هي جزء من أوامر الله المشروعة ، فهي من رضوان الله ، وهي من شريعة الله وسننه العاملة في الأرض والسماء ، وان ما في الأرض والسماء هو مسخر بأمر الله للإنسان.
قال تعالى:{ وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ }  13/45 سورة الجاثية
وفي كل يوم يرينا الله تبارك وتعالى كيف تأخذ كل ذرة موقعها في عملية بناء أنسجة وأعضاء الكائن الحي في نموها وإصلاحها منذ النشأة إلى حين الوفاة ، انه نظام عظيم جُعل له برنامج يحمله كل كائن حي ، شَرعهُ رب عظيم ، فتبارك الله رب العالمين.
لذلك يسعى علماء المادة إلى اكتشاف قوانين المادة وفق الشروط المختبرية باطمئنان ثم حساب مسار ومواقع الأشياء وفق القوانين المكتشفة بدقة عالية ، ومن دواعي السخرية الجمع بين الصدفة والحتمية التاريخية في العقيدة ، وفي تطبيقات ذلك ومنها النشأة الأولى للإنسان وتأريخه.

163
قال تعالى:{ ... انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ } 46/6 سورة الأنعام
إن أوسع رجال الفيزياء علما بالمادة والطاقة في القرن العشرين هو ألبرت اينشتاين وقد قال ؛ ( لقد خلق الله الكون وفقا لقوانين لا تعترف بالمصادفة أو العشوائية ) ، إن المصادفة أو العشوائية فرضية وليست نظرية ولا تملك برهان على وجودها ، ولا تحمل مثقال ذرة من العلم.
إن وصول الإنسان إلى أعلى درجات الامتثال الطوعي لأوامر الله المشروعة لا يرفع عنه احتمال الوقوع في الخطأ ، بدليل النبأ الذي جاء في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم ( كل ابن آدم خطاء ... ) ، كما إن الأعراف المختبرية تقر بوجود نسبة مقبولة للخطأ عند العلماء.
فإنما الأعمال جهد بلا إجهاد وتقدير بلا غلو ، لتكن في أمان بذلك من المحذور ، كالمروق والشطط ، ولذلك كان قول من يؤم الناس في الصلاة ؛ سددوا وقاربوا.

164